راجل كان قاعد حكايات زيزي حصري لموقع ايام
وصلته رسالة جديدة.
فتحها، وقراها، وبعدها مد الموبايل لمحمود من غير ما يتكلم.
كانت الرسالة قصيرة جدًا
لو عايزين تعرفوا مين فتح الخزنة، اسألوا البنت عن آخر حاجة شافتها في مكتب الاستعلامات يوم ما زارت المبنى.
حسيت إن نفسي اتقطع.
لأن اليوم ده، قبل ما أمشي، حصل موقف غريب فعلًا.
كنت واقفة عند مكتب الاستعلامات، ولقيت موظفة بتنده عليّا باسمي، مع إني ماكنتش قابلتها قبل كده.
قالتلي وقتها إنها عايزة تتأكد من رقم تليفوني، وطلبت مني أكتبه على ورقة.
كتبت الرقم ومشيت.
لكن دلوقتي افتكرت إنها، قبل ما أخرج، كانت بتتكلم مع شخص واقف ورا باب زجاجي.
والشخص ده كان ماسك صورة...
صورة لوالدي، وفي إيده نفس الصندوق الخشب اللي بندوّر عليه!
بصيت لعماد وسألته
مين كان شغال في مكتب الاستعلامات يومها؟
عماد رد بعد تردد
واحدة اسمها نادية.
أول ما سمعت الاسم، حسيت پصدمة جديدة.
لأن نادية ماكنتش مجرد موظفة في المبنى.
نادية كانت آخر شخص قابل والدي قبل ما يدخل المستشفى بأيام... وهي نفسها اللي فضلت سنين تقول لنا إنها ما تعرفش أي حاجة عن شغله القديم!
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال، عماد قرب مني وهمس
فيه حاجة لازم تعرفيها عن نادية... أبوكي كان كاتب اسمها في آخر صفحة من الملف، لكن مش باعتبارها شاهدة.
سألته وأنا حابسة أنفاسي
أمال باعتبارها إيه؟
عماد بص ناحية الباب، وبعدها قال
باعتبارها الشخص الوحيد اللي يعرف مكان النسخة الأصلية من العقد.
وفي اللحظة دي، وصل لمحمود اتصال جديد.
رد، وفضل ساكت وهو بيسمع.
وبعدين قال جملة واحدة
إحنا جايين.
قفل وبصلي.
نادية وافقت تقابلنا... لكنها اشترطت إنك تيجي لوحدك.
أنا رفضت فورًا.
مستحيل أروح مكان لوحدي بعد كل اللي حصل!
محمود وافقني، وقال إن أي مقابلة لازم تكون في مكان آمن وبطريقة ما تعرّضنيش للخطړ.
لكن قبل ما نقرر هنعمل إيه، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها، ولقيت صورة جديدة.
كانت صورة لبيت عيلتنا القديم.
وتحت الصورة مكتوب
العقد الأصلي مش مع نادية... العقد عند الشخص اللي ساكن في بيت أبوكي دلوقتي.
رفعت عيني ببطء.
لأن بيت أبويا القديم ماكانش ساكن فيه غريب...
كان ساكن فيه أقرب شخص ليا في العيلة، الشخص اللي عمره ما خطړ على بالي أشك فيه ولو للحظة واحدة!
النهاية السر اللي أبويا أخده معاه القپر!
فضلت باصة للرسالة اللي وصلتني، ومش قادرة أصدق إن كل الخيوط دي ممكن توصل لشخص واحد.
بيت أبويا القديم كان ساكن فيه عمي جلال، أخو أبويا الوحيد، الراجل اللي وقف جنبي بعد ۏفاة أبويا، وكان دايمًا بيقولي إن البيت ده أمانة، وإنه عمره ما هيسمح لحد ياخد مني حقي.
بصيت لمحمود وقلت
إنت فاهم معنى الرسالة دي؟ ده عمي جلال! ده أكتر شخص وثقت فيه بعد أبويا!
محمود رد بهدوء
معنى الرسالة إن حد عايزك تشكي فيه. لكن لحد دلوقتي، ماعندناش دليل إنه عمل حاجة غلط.
كلامه كان منطقي، وقررت إني مش هظلم حد لمجرد رسالة مجهولة.
اتفقنا نتوجه لبيت العيلة، لكن قبل ما نتحرك، تواصلنا مع الجهات المختصة عشان كل حاجة تتم بشكل قانوني، خصوصًا بعد ظهور مستندات مشكوك فيها وادعاءات بتزوير التوقيعات.
ولما وصلنا البيت، عمي جلال فتح الباب بنفسه.
أول ما شافني، ابتسم وقال
إيه المفاجأة الحلوة دي؟ كنتِ تقوليلي إنك جاية!
لكن ابتسامته اختفت لما شاف محمود والراجل الكبير واقفين ورايا.
دخلنا الصالة، وقعدنا.
طلعت صورة الصندوق الخشب وحطيتها قدامه.
عمي، إنت تعرف الصندوق ده؟
فضل باصص للصورة فترة طويلة، وبعدها نزل عينه وقال
أيوه، أعرفه.
قلبي اتقبض.
كان في بيت أبويا؟
أيوه.
وإنت أخدته بعد ۏفاته؟
عمي رفع عينه ليا، وكانت مليانة حزن.
أيوه يا بنتي، أنا أخدته.
محمود اتحرك في كرسيه، لكني أشرتله يستنى.
سألته
ليه؟
عمي قام ببطء، ودخل أوضة أبويا القديمة، ورجع بعد دقائق وهو شايل صندوق خشب صغير، قديم، وعليه نفس العلامة اللي ظهرت في الصورة.
حطه قدامي وقال
لأن أبوكي وصاني عليه قبل ما ېموت.
حسيت إني مش فاهمة أي حاجة.
إزاي؟ أبويا ماكانش قادر يتكلم في آخر أيامه!
عمي مسح دمعة من عينه وقال
قبل ما يدخل المستشفى، جه ليا وطلب مني أخبي الصندوق. قالي إن فيه ناس بتحاول تستولي على حقه، وإنه مش عايزك تدخلي في مشاكل بسبب الموضوع ده.
وبعدين فتح الصندوق بمفتاح صغير كان محتفظ بيه.
جواه كانت فيه أوراق قديمة، وصورة لوالدي مع حاتم، ودفتر صغير، وظرف مقفول مكتوب عليه اسمي.
مسكت الظرف وفتحته.
كانت جواه رسالة بخط أبويا
بنتي حبيبتي،
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الحقيقة أخيرًا قربت تظهر.
أنا عرفت إن فيه حد بيحاول يغيّر ملكية العقار، لكني ماكنتش عايز أتهم حد من غير دليل. عشان كده احتفظت بالنسخة الأصلية من العقد، وطلبت من عمك يحافظ عليها لحد ما ييجي الوقت المناسب.
عمك جلال مالوش ذنب في اللي حصل. هو الوحيد اللي وافق يساعدني من غير ما يسألني عن أي مقابل.
أما الشخص اللي غيّر الأوراق، فهو مش بالضرورة الشخص اللي قدّمها. فيه حد تاني استغل ثقة الناس، وخلّى الكل يشك في بعضه.
افتكري دايمًا إن الحق مش محتاج صوت عالي، محتاج دليل.
دموعي نزلت وأنا بقرأ كلام أبويا.
بصيت لعمي، لقيته بيعيط هو كمان.
ليه ما قلتليش يا عمي؟ ليه سبتني أشك فيك؟
رد بصوت مكسور
أبوك طلب مني ما أتكلمش غير لما يكون فيه دليل يحميكي ويحمي حقك. كنت فاكر إني بحافظ على وصيته، وماكنتش أعرف إن سكوتي هيخليكي تتعبي بالشكل ده.
حضنته وأنا بعيط.
لأول
مرة من ساعة ما بدأت الحكاية، حسيت إني وصلت لمكان آمن.
لكن محمود كان لسه بيفحص الأوراق.
فجأة رفع واحدة منها وقال
استنوا... العقد ده فيه حاجة مهمة جدًا.
قربنا منه.
النسخة الأصلية كانت بتوضح إن حاتم، قبل ۏفاته، تنازل بالفعل عن جزء من الأرض، لكن مش عن العقار كله. أما الورقة المزورة، فكانت بتستخدم التنازل القديم عشان تستولي على الملكية بالكامل.
وفي الدفتر، كان فيه تسجيل بالتواريخ وأسماء الأشخاص اللي حضروا الاجتماعات المتعلقة بالعقار.
ومن خلال مراجعة المستندات ومقارنتها بالسجلات الرسمية، بدأت الصورة تتضح.
الشخص اللي استغل الأوراق القديمة وقدّم المستند المزور كان شريكًا سابقًا في إدارة العقار، اسمه فريد منصور، وكان عنده مصلحة مالية كبيرة في الاستيلاء على الأرض.
أما عماد، فاعترف إنه أخد الصندوق بناءً على طلب فريد، بعدما أقنعه إن فيه أوراق ممكن تضر العيلة، لكنه ماكانش يعرف إن الصندوق فيه دليل على التلاعب.
ونادية، موظفة الاستعلامات، اعترفت بعد كده إنها سمحت لشخص باستخدام صورة بطاقتي من غير ما تتأكد من هويته، بعدما أوهمها إنه بيستكمل ملفًا إداريًا قديمًا. لكن التحقيق أثبت إن استخدام بياناتي ماكانش دليلًا على إني شاركت في أي مخالفة.
أما الراجل اللي كان قاعد ورايا في الطيارة، واللي بدأت معاه الحكاية بسبب رجله اللي حطها على مسند إيدي، فطلع إنه كان بيحاول ينقل ظرفًا فيه نسخ من مستندات العقار، وكان متفقًا مع فريد على تسليمها لشخص تاني.
ولما اتكشف أمره في المطار، حاول يتهمني بالسړقة عشان يشتت الانتباه عن الظرف اللي معاه.
لكن الظرف اتسلّم للجهات المختصة، واتضح إنه بيحتوي على مراسلات بتربط فريد بمحاولات تغيير المستندات.
وبكده، الراجل اللي بدأ الحكاية برجله الحافية، انتهى بيه الأمر شاهدًا في قضية أكبر بكتير من الخناقة اللي حاول يفتعلها!
مرت شهور من التحقيقات، واتراجع ملف العقار بالكامل، وقدّمنا العقد الأصلي والدفتر وباقي المستندات للجهات المختصة.
وفي النهاية، صدر الحكم بعد ثبوت التزوير، واتصححت الملكية في السجلات الرسمية، ورجع الحق لأصحابه.
أما عمي جلال، ففضل محتفظًا بالصندوق، لكن المرة دي بموافقتي، لحد ما خلصت كل الإجراءات.
وفي يوم، وأنا قاعدة في بيت أبويا القديم، فتحت الدفتر للمرة الأخيرة، ولقيت جملة مكتوبة في آخر صفحة، بخط أبويا
لو بنتي وصلت للحقيقة، يبقى أنا اطمنت عليها. مش عشان كسبت قضية، لكن عشان اتعلمت ما تظلمش حد بالشك، وما تديش ثقتك لحد من غير ما تتأكد.
قفلت الدفتر، وبصيت لصورة أبويا اللي كانت معلقة على الحيطة.
ابتسمت وسط دموعي وقلت
حقك رجع يا بابا... ووصيتك كمان وصلت.
وبعدها افتكرت أول لحظة في الطيارة، لما الراجل حط رجله على مسند إيدي ورفض يشيلها، وكنت فاكرة إن كل اللي محتاجاه هو إني أعلّمه درس في قلة الذوق.
ماكنتش أعرف إن الموقف ده هيكشف شبكة من الأكاذيب، ويرجعلي حق أبويا، ويخليني أكتشف إن أقرب الناس ليا مش كلهم زي ما كنت فاكرة... وإن اللي يستحق ثقتي فعلًا هو اللي يثبتها بالمواقف، مش بالكلام.
ومن يومها، بقيت مؤمنة إن أوقات كتير، موقف صغير بنرفض نسكت عنه، ممكن يكون أول خيط يوصلنا لحقيقة كبيرة كانت مستخبية سنين.
تمت.