ورثت من ابويا
أرجاء المزرعة.
تجمدت للحظة.
صرخ مراد
ما توقفيش... اجري!
انطلقنا بين الأشجار، بينما كانت الرصاصات ترتطم بجذوعها وتتناثر قطع اللحاء حولنا.
وصلنا إلى مخزن قديم في طرف الأرض.
دفع مراد الباب بكل قوته.
دخلنا وأغلقناه من الداخل، ثم وضع قطعة خشب سميكة خلفه.
كانت أنفاسنا متقطعة.
أخرجت الهاتف القديم من جيبي.
قال مراد
أهم حاجة نحافظ على الأدلة.
في الخارج، سمعنا أصوات الرجال.
دوروا عليهم... ما يخرجوش من هنا!
نظرت حولي.
المخزن كان مليئًا بالمعدات الزراعية القديمة.
وفي آخره نافذة صغيرة مكسورة تطل على ترعة خلف المزرعة.
همس مراد
دي فرصة خروج.
وقبل أن نتحرك، اهتز الهاتف القديم في يدي.
تعجبت.
الهاتف لم يكن متصلًا بشبكة، لكنه طلب إدخال رمز.
تذكرت تاريخ ميلاد أبي.
جرّبته.
رفض.
ثم كتبت تاريخ تأسيس أول شركة له.
انفتح الهاتف.
ظهر مجلد مخفي باسم
النسخة الأخيرة.
فتحته بسرعة.
وجدت عشرات الملفات، بينها تسجيل صوتي أخير.
ضغطت تشغيل.
جاء صوت أبي
لو وصلتي للملفات دي، يبقى رائد هيحاول ياخدها بأي ثمن. لكن خليكي فاكرة... نسختها الأصلية عند شخص واحد أنا بثق فيه.
توقفت الرسالة.
ظهر اسم واحد على الشاشة
المستشار يوسف الخولي.
وقبل أن أستوعب، دوّى صوت ارتطام قوي بالباب.
بدأ الرجال يكسرونه من الخارج.
صرخ مراد
من النافذة... بسرعة!
تسلقت أولًا، ثم خرج مراد خلفي.
جرينا بمحاذاة الترعة حتى وصلنا إلى سيارته المركونة بعيدًا عن المدخل.
انطلق بنا بأقصى سرعة.
بعد دقائق، ابتعدنا عن المزرعة.
أخذت نفسًا عميقًا لأول مرة.
قلت
لازم نوصل للمستشار يوسف قبل ما يوصلوا له.
هز مراد رأسه وهو يزيد سرعة السيارة.
لكنه فجأة نظر في المرآة الخلفية.
وقال بصوت منخفض
للأسف... إحنا مش لوحدنا.
نظرت خلفي.
كانت السيارة السوداء نفسها عادت للظهور...
وتقترب منا بسرعة.
يتبع...الجزء العاشر
تنبيه هذه القصة عمل روائي خيالي، وجميع الشخصيات والأحداث من نسج الخيال.
كانت السيارة السوداء تقترب منا بسرعة.
شدّ مراد المقود وهو يقول
امسكي كويس.
لكن بدلًا من زيادة السرعة بجنون، دخل أول طريق جانبي يمر وسط الأراضي الزراعية.
السيارة التي خلفنا تبعَتنا.
بعد عدة دقائق، ظهرت أمامنا نقطة تفتيش للشرطة.
تنفس مراد الصعداء.
قال
الحمد لله...
لكن السيارة السوداء انحرفت فجأة إلى طريق آخر واختفت.
لم يحاول رجالها الاقتراب من نقطة التفتيش.
وقفت أنظر إليها حتى اختفت تمامًا.
قلت
ليه هربوا؟
رد مراد
لأنهم مش عايزين يلفتوا نظر الشرطة.
بعد ساعة...
وصلنا إلى مكتب المستشار يوسف الخولي.
كان رجلًا في أواخر الستينيات، هادئ الملامح.
ما إن رآني حتى تنهد وقال
كنت أتمنى ألا يأتي هذا اليوم.
وضعت الهاتف القديم والصندوق أمامه.
نظر إليهما طويلًا، ثم فتح درج مكتبه.
أخرج ظرفًا مختومًا.
وقال
والدك سلّمني هذا قبل وفاته بشهر، وقال لي لا تفتحه إلا إذا جاءت نادية بنفسها.
فتح الظرف ببطء.
كان بداخله قرص تخزين صغير، ورسالة قصيرة.
قرأها بصوت مسموع
إذا وصلت هذه الرسالة إلى نادية، فهذا يعني أن كل ما كنت أخشاه قد حدث. الحقيقة الكاملة موجودة على هذا القرص، لكنه لا يُفتح إلا بالمفتاح الموجود داخل الهاتف.
نظرت إلى الهاتف بسرعة.
اكتشفنا أن بداخله ملفًا مشفرًا لم ننتبه إليه.
أدخل المستشار القرص في جهازه، ووصل الهاتف به.
بعد لحظات...
ظهرت مئات الملفات.
عقود.
تحويلات.
مراسلات.
وتسجيلات اجتماعات.
قال المستشار وهو يقلب الملفات
هذه الأدلة تكفي لإسقاط شبكة كاملة من الفساد المالي.
سألته
ورائد منصور؟
أجاب
سيكون أمام العدالة إذا ثبتت هذه الأدلة بعد التحقيق.
في تلك اللحظة، رن هاتف المستشار.
استمع لثوانٍ، ثم أغلقه.
نظر إلينا بوجه شاحب.
في خبر وصلني حالًا...
حبست أنفاسي.
قال
سامر... وافق يتعاون مع النيابة مقابل تخفيف العقوبة.
نظرت إلى مراد.
قلت
يعني هيشهد على رائد؟
رد المستشار
يبدو أن القصة اقتربت من نهايتها... لكن الحقيقة الكاملة ستظهر في المحكمة، وليس قبل ذلك.
خرجت من المكتب وأنا أحمل رسالة أبي الأخيرة.
لأول مرة منذ وفاته، شعرت أنني لم أعد أهرب من الماضي...
بل أمشي نحوه، وأنا مستعدة لمعرفة الحقيقة مهما كانت مؤلمة.
النهاية بما أن الجزء السابق انتهى ب النهاية، فلا يمكنني متابعة نفس القصة وكأنها ما زالت مستمرة دون كسر تسلسلها.
إذا أردت تحويلها إلى رواية أطول، فهذه بداية طبيعية لجزء جديد
الجزء الحادي عشر بعد ستة أشهر
مرّت ستة أشهر منذ صدور الأحكام.
حُكم على سامر بالسجن بعد إدانته في قضايا الاحتيال والتلاعب المالي، بينما استمرت التحقيقات مع رائد منصور وشركائه حتى أُحيلوا إلى المحكمة.
أما أنا...
فبعت نصيبي في شركة نيكساداتا.
لم أعد أحتمل المرور أمام المكتب الذي بدأت فيه أجمل أحلامي، وانتهت فيه أكبر خيانة عرفتها.
استثمرت جزءًا من الميراث في إنشاء مؤسسة تحمل اسم أبي، لدعم رواد الأعمال الشباب، تنفيذًا لحلمه بأن يمنح الفرصة لمن يبدأ من الصفر كما بدأ هو.
ظننت أن كل شيء انتهى...
حتى جاءني ظرف بلا اسم مرسل.
في داخله صورة قديمة لأبي.
وعلى ظهرها عبارة بخط اليد
ليس كل من خانك ظهر اسمه في المحكمة.
تجمدت.
كان مع الصورة مفتاح صغير لا يشبه أي مفتاح رأيته من قبل.
وفي أسفل الظرف ورقة مطوية كتب عليها
اسألي فيكتوريا عن الخزنة رقم 23... فهي تعرف الحقيقة التي لم يخبرك بها والدك.
رفعت هاتفي واتصلت بالمحامية فيكتوريا.
لكن الهاتف كان مغلقًا.
حاولت مرة ثانية...
ثم ثالثة...
حتى ظهر خبر عاجل على شاشة هاتفي
العثور على المحامية فيكتوريا فاقدة الوعي داخل مكتبها، ونقلها إلى المستشفى، والشرطة تحقق في ملابسات الحادث.
أغلقت الهاتف ببطء.
وأدركت أن الماضي... لم ينتهِ بعد.
يتبع...الجزء الثاني عشر
تنبيه هذه الرواية خيالية بالكامل، وجميع الشخصيات والأحداث من نسج الخيال.
وصلت إلى المستشفى بعد أقل من نصف ساعة.
كان رجال الشرطة يقفون أمام غرفة المحامية فيكتوريا.
تقدمت نحو الضابط.
أنا نادية الشامي... كنت على اتصال بالأستاذة فيكتوريا.
نظر إلى بطاقتي، ثم قال
حالتها مستقرة، لكنها لسه ما فاقتش.
تنفست الصعداء.
وقبل أن أبتعد، خرجت ممرضة مسرعة من الغرفة.
قالت
المريضة بدأت تستعيد وعيها... لكنها مصرة تشوف مدام نادية.
دخلت الغرفة.
كانت فيكتوريا شاحبة، لكنها ما إن رأتني حتى أمسكت يدي بقوة.
همست بصوت متقطع
الخزنة... رقم 23...
فين؟
في مكتب... والدك القديم...
ثم أغلقت عينيها من شدة الإرهاق.
في مساء اليوم نفسه، ذهبت أنا ومراد إلى المبنى القديم الذي كان يضم أول مقر لشركة أبي.
كان المبنى مهجورًا منذ سنوات.
دخلنا إلى المكتب.
كل شيء مغطى بالغبار.
المكتب الخشبي، المكتبة، وحتى فنجان القهوة الذي كان أبي يفضله ما زال في مكانه.
بدأنا نبحث.
وبعد دقائق، لاحظ مراد لوحة معلقة على الحائط مائلة قليلًا.
رفعها.
خلفها ظهر باب حديدي صغير.
وفي وسطه لوحة أرقام.
أدخلت الرقم 23.
لم يحدث شيء.
تذكرت المفتاح الصغير الذي وصلني في الظرف.
أدخلته في الفتحة الجانبية.
صدر صوت خفيف...
ثم انفتح الباب.
داخل الخزنة كان يوجد ملف واحد فقط، ومعه دفتر أسود.
فتحت الدفتر.
وفي الصفحة الأولى كتب أبي
إذا وصلتِ إلى هنا، فهذا يعني أنك لم تستسلمي، وأنا فخور بك.
ابتسمت رغم دموعي.
لكن الصفحة التالية جعلتني أتجمد.
كانت تحتوي على قائمة بأسماء أشخاص وثق بهم أبي طوال حياته.
وبجوار كل اسم كلمة واحدة.
الجزء الثالث عشر
تنبيه هذه قصة خيالية بالكامل، وجميع الشخصيات والأحداث من نسج الخيال.
ظللت أحدق في كلمة أبي
مراد... وفي... حتى الآن.
رفعت رأسي ونظرت إليه.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
عمرك سألتي نفسك ليه كتب حتى الآن؟
لم أرد.
فتح الدفتر على الصفحة التالية.
وجدنا سطرًا واحدًا بخط أبي
الثقة لا تُمنح مرة واحدة... بل تُختبر كل يوم.
تنهد مراد.
دي كانت جملته المفضلة.
واصلنا تقليب الدفتر.
في الصفحات التالية، لم نجد أسرارًا جديدة عن الجريمة، بل ملاحظات كتبها أبي على مدار سنوات تقييمات للمديرين، خطط للشركات، وأفكار كان ينوي تنفيذها.
ثم سقطت من بين الصفحات ورقة مطوية.
فتحتها.
كانت رسالة موجهة إليّ.
يا نادية... إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فأرجو أن تكوني قد عرفتِ الفرق بين الثقة العمياء والثقة المبنية على الدليل.
أكملت القراءة، والدموع تملأ عيني.
قد تكتشفين أن بعض الناس خانوك، وقد تكتشفين أن آخرين ظلوا أوفياء. لكن لا تجعلي الخيانة تغيّر قلبك أو تمنعك من بناء حياة جديدة.
صمتُّ طويلًا.
كانت هذه أول مرة منذ وفاة أبي أشعر أنني أسمع نصيحته، لا تحذيره.
أغلقت الدفتر برفق.
قلت لمراد
أظن... دي كانت آخر رسالة.
هز رأسه.
وأهم رسالة.
خرجنا من المكتب القديم مع غروب الشمس.
وقفت أمام المبنى، ونظرت إليه للمرة الأخيرة.
قلت
أبويا كان بيبني شركات... وأنا كنت فاكرة إن كل اللي سابه فلوس.
ابتسم مراد.
ساب لك كمان خبرة... وحكمة... وفرصة تبدأي من جديد.
بعد أسابيع، أعلنت مؤسسة عادل الشامي أول برنامج لدعم الشباب أصحاب المشروعات الصغيرة.
وفي يوم الافتتاح، وضعت فنجان القهوة القديم الخاص بأبي داخل صندوق زجاجي في مدخل المؤسسة، ومعه لوحة صغيرة كُتب عليها
النجاح الحقيقي ليس فيما تملكه... بل فيما تتركه من أثر.
وأنا أنظر إلى الزوار، شعرت لأول مرة أن الماضي لم يعد يطاردني...
بل أصبح جزءًا من القوة التي دفعتني إلى الأمام.
تمت الجزء الرابع عشر بعد عامين
تنبيه هذه القصة عمل خيالي بالكامل، وجميع الشخصيات والأحداث من نسج الخيال.
مر عامان.
لم يعد اسم نادية الشامي يرتبط بفضيحة شركة نيكساداتا، بل أصبح مرتبطًا بمؤسسة تحمل اسم والدها، تموّل مشاريع الشباب وتدعم الشركات الناشئة.
ظنت أن الماضي انتهى.
حتى جاءها اتصال في صباح هادئ.
مدام نادية؟
أيوه.
مع حضرتك المستشفى الجامعي... فيه مريض طالب يشوفك بالاسم.
مين؟
ساد صمت قصير، ثم جاء الرد
سامر.
تجمدت.
آخر مرة رأته كانت داخل قاعة المحكمة.
قالت بهدوء
هفكر... وأرد عليكم.
لكن بعد