مش بنتهم

لمحة نيوز

وأنا عندي ست سنين، حصلتلي حادثة عربية خلتني أفقد ذاكرتي تمامًا.
ولما فوقت، قالولي إني بقيت يتيمة وإن أهلي ماتوا ومبقاش ليا حد في الدنيا.
بس كنت محظوظة.
كان فيه زوجين طيبين اسمهم محمود عبد الرحمن ونادية قرروا يتبنوني ويخلوني أعيش معاهم.
ومن اليوم ده، بقيت أكتر طفلة بتحاول تكون مؤدبة ومطيعة في البيت.
كانوا يقولولي
خلي بالك من أختك الصغيرة يا سلمى.
فكنت أدي ملك أحسن حاجة عندي.
لو عندي قطعة شوكولاتة واحدة، تبقى ليها.
لو جابولي حاجة حلوة، أول واحدة أفكر فيها هي ملك.
ولو كان فيه اختيار بيني وبينها، أنا اللي أتنازل من غير حتى ما حد يطلب مني.
وكانوا يقولولي
لازم تجتهدي في دراستك، إحنا تعبنا عشانك.
فكنت بذاكر لحد ما بقيت الأولى على المدرسة تقريبًا كل سنة.
وكانوا يقولولي
إحنا عايزينك بنت عاقلة وفاهمة ظروف البيت.
فكنت من نفسي أشيل شغل البيت.
أنضف، وأرتب، وأغسل، وأساعد في المطبخ، وأحاول طول الوقت ما أعملش غلطة واحدة.
كنت بخاف من الغلط.
مش عشان العقاب
عشان كنت خايفة في يوم يقولولي
إحنا مش ملزمين بيكي.
كنت عارفة إني مش بنتهم.
أو على الأقل
ده اللي هما خلوني أصدقه.
الغريب إن ملك، أختي الصغيرة، كانت طول الوقت بتبصلي بطريقة غريبة جدًا.
نظرة عمري ما قدرت أفهمها.
في الأول افتكرت إنها مش بتحبني.
وإنها شايفاني واحدة غريبة دخلت بيتهم وخدت جزء من اهتمام باباها ومامتها.
وعشان كده كنت بحاول أتعامل معاها أحسن.
أديها حاجاتي.
أعمل مكانها شغل البيت.
ولو اتخانقنا على حاجة، أنا اللي أعتذر.
كنت ماشية في البيت على أطراف صوابعي، كأني ضيفة ممكن في أي لحظة يطلبوا منها تمشي.
لحد ما خلصت الثانوية العامة.
كنت جايبة مجموع ممتاز، وقدمت على منحة دراسية كاملة في جامعة بره مصر، واتقبلت فعلًا في تخصص علوم الكمبيوتر.
وأثناء تجهيز ورق الفيزا، احتجت أراجع بعض أوراقي الرسمية وملف التبني.
روحت الجهة المختصة وطلبت الملف.
الموظفة فضلت فترة طويلة قدام الكمبيوتر.
مرة تبص للشاشة
ومرة تبصلي.
وبعد شوية، ملامحها اتغيرت.
رفعت راسها وقالتلي باستغراب
معلش إنتِ متأكدة إنك متبناة؟
بصيتلها باستغراب.
أيوه.
رجعت بصت للشاشة وقالت
بس البيانات اللي قدامي بتقول حاجة تانية خالص.
قلبي بدأ يدق.
قربت منها وسألت
يعني إيه؟
قالت وهي بتراجع البيانات
الأب والأم المسجلين في شهادة ميلادك هما محمود عبد الرحمن ونادية حسن.
اتجمدت.
دول
بابا وماما.
أو الناس اللي طول عمري فاكرة إنهم بابا وماما بالتبني.
الموظفة كملت
وكمان بيانات الأسرة الخاصة بيكي ما اتغيرتش من يوم تسجيل ميلادك.
بصيتلها وأنا مش مستوعبة.
يعني مفيش تبني؟
ردت
حسب البيانات اللي قدامي، لأ.
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها سكتت.
أنا
عمري ما كنت يتيمة.
ومحمود ونادية مش زوجين طيبين لقوني بعد الحادث وقرروا يربوني.
دول أبويا وأمي الحقيقيين.
اتناشر سنة كاملة
وأنا عايشة وأنا شايلة جميلهم فوق راسي.
اتناشر سنة وأنا بقول لنفسي لازم أكون مؤدبة.
لازم أكون متفوقة.
لازم أخدمهم.
لازم أتنازل لملك.
لازم ما أزعلهمش.
لأنهم أخدوني وربوني.
وفي الآخر
طلع كل ده تمثيلية متحضرة ومتخططلها بعناية.
قفلت الملف اللي قدامي.
الغريب إني ما عيطتش.
ما صرختش.
بالعكس.
حسيت بهدوء غريب جدًا.
لأن لو السيناريو اللي هما كتبوهولي بيقول إني مجرد بنت متبناة، مليش أي صلة دم بيهم
يبقى المفروض إني واحدة غريبة.
والغريب لما يحب يمشي
مش محتاج يستأذن حد.
رجعت البيت في آخر اليوم.
وأول ما فتحت الباب، سمعت صوت ملك من ناحية المطبخ.
سلمى؟ إنتِ رجعتي؟
كانت واقفة مسنودة على باب المطبخ، ماسكة نص آيس كريم في إيدها.
وقعت حتة صغيرة من طبقة الشوكولاتة على الأرض.
بدلت جزمتي، وانحنيت تلقائيًا، خدت الحتة من الأرض ورميتها في الزبالة.
قالتلي
الأكل لسه موجود، ماما قالت لو رجعتي سخنيه لنفسك.
رديت
أنا أكلت.
الحقيقة إني ماكنتش أكلت.
من ساعة ما خرجت من المكتب وأنا قعدت حوالي تلات ساعات كاملة على كرسي في الشارع.
بس بفكر.
ملك قالت
آه.
وأخدت قضمة من الآيس كريم.
وبصتلي.
نفس النظرة.
النظرة اللي بشوفها في عينيها من اتناشر سنة.
زمان كنت فاكرة إنها كراهية.
بعد كده قلت يمكن شفقة.
دلوقتي بس فهمتها.
دي كانت نظرة إحساس بالذنب.
ملك كانت عارفة.
كانت عارفة طول الوقت.
سألتني
إنتِ كنتي فين النهارده؟
رديت بهدوء
بخلص ورق الفيزا.
آه، موضوع السفر والدراسة بره؟
وبعدين رمت عصاية الآيس كريم في الحوض من غير ما حتى تفتح المية.
وقالت
ماما قالت إن حلو إنك اتقبلتي في جامعة بره وكل حاجة بس المصاريف وكده البيت غالبًا مش هيقدر
قاطعتها
مش محتاجة فلوس من البيت.
سكتت.
كملت
المنحة كاملة. الجامعة متكفلة بالمصاريف، وأنا مش محتاجة جنيه واحد منكم.
فتحت بقها كأنها هتقول حاجة.
لكن في اللحظة دي باب الشقة اتفتح.
دخلت نادية شايلة شنطتين كبار مليانين مشتريات.
أول ما شافتني ابتسمت.
سلمى رجعتي؟ أكلتي؟
أيوه.
قالت بسرعة
طب كويس. تعالي بقى ساعديني أرتب الحاجات دي.
فتحت الشنط.
كل حاجة جواها كانت لملك.
مخدة طبية.
طقم ملايات قطن جديد.
حاجات للسكن الجامعي.
معطر برائحة اللافندر.
شنطة ميكاب صغيرة مطرز عليها حرف M.
قعدت أطوي كل حاجة بعناية وأحطها في شنطة السفر.
وفي الوقت نفسه، كانت نادية قاعدة جنب ملك، بتوريها صور السكن الجامعي على الموبايل.
بصي الأوضة شكلها حلو إزاي.
ملك قالت
بس شكلها حر شوية.
طب نجيبلك مروحة صغيرة؟
ممكن.
فضلوا يتناقشوا.
ولا واحدة فيهم سألتني عن شنطتي.
ولا إيه اللي محتاجاه للسفر.
ولا هسافر إمتى.
ولا هروح مدينة إيه.
ولا حتى هعيش فين.
وفجأة نادية رفعت راسها وقالتلي
آه صحيح يا سلمى لما تسافري بره، ابقي كلمينا باستمرار.
وبنفس النبرة العادية جدًا كملت
صحيح إنتِ مش بنتنا الحقيقية، بس إحنا ربيناكي كل السنين دي، وإنتِ في قلبي أنا وباباكي زي ملك بالظبط.
إيدي اللي كانت بتطبق الملاية وقفت ثانية.
مش بنتنا الحقيقية.
قالتها بسهولة شديدة.
كأنها جملة حافظاها من سنين.
وفعلًا
هي حافظاها.
اتناشر سنة وأنا بسمع الجملة دي بأشكال مختلفة.
لما كنت أطلع الأولى على المدرسة تقول
شايفة؟ تعبنا في تربيتك ما راحش هدر.
ولما يحصل خلاف بيني وبين ملك تقول
إنتِ الكبيرة، وبعدين لازم تفتكري إننا أخدناكي وربيناكي، وليكي جميل في رقبتك.
جميل.
الكلمة اللي عشت عمري كله أسدد تمنها.
حسيت إني عايزة أضحك.
بس تماسكت.
وقلت
عارفة يا ماما.
قالت نادية
وفي حاجة كمان.
وطت صوتها وبصت ناحية أوضة ملك.
لما تسافري، بلاش تحكي للناس تفاصيل بيتنا.
بصيتلها.
كملت
الناس بره مش هتفهم الحاجات دي، وبلاش تحكي إنك متبناة وكده، عشان محدش يحس إن ظروفك العائلية معقدة.
ظروفي العائلية معقدة.
قلت
حاضر.
بالليل دخلت أوضتي وقفلت الباب.
أوضتي كانت حوالي ستة متر.
سرير فردي.
ترابيزة صغيرة قابلة للطي.
ودولاب.
أوضة ملك اللي جنبي تقريبًا تلات أضعاف أوضتي.
فيها شباك كبير ومكتبة مخصوص ليها.
فتحت موبايلي وراجعت كل أوراقي.
الباسبور.
ورق الفيزا.
خطاب القبول.
الكارت البنكي.
لما كملت 18 سنة، كنت روحت البنك لوحدي وفتحت حساب باسمي.
فلوس الشغل اللي كنت بشتغله جنب الدراسة، مع المكافآت اللي أخدتها من المسابقات على مدار السنين، كانوا مبلغ كويس.
يكفيني أجيب تذكرة طيران اتجاه واحد وأبدأ حياتي.
حطيت كل الأوراق في قاع الشنطة.
قفلت السوستة كويس.
وخبيت الشنطة تحت السرير.
طفيت النور ونمت.
كان فيه شرخ قديم في سقف الأوضة، ماشي من جنب الحيطة لحد قريب من اللمبة.
وأنا عندي ست سنين، أول ما جيت البيت ده بعد الحادث، كنت بنام على نفس السرير وأفضل أعد التفرعات الصغيرة اللي خارجة من الشرخ.
وقتها نادية قالتلي
لما الدنيا تهدى شوية، هجيب حد يدهن الأوضة ويصلحها، ونخلي أوضتك جميلة.
عدى اتناشر سنة.
والشرخ لسه مكانه.
سمعت صوت ملك وهي بتجري في الطرقة.
دخلت أوضتها وبدأت تكلم أصحابها فيديو.
وصوت ضحكتها كان واصل لحد عندي.
أيوه أيوه، ماما جابتلي كل حاجة! تخيلوا حتى مسحوق
 

تم نسخ الرابط