فى وسط الحفله

لمحة نيوز

متهدلاً ومكسوراً، يترجاه ليلتقيا، ويعده بأن يفعل أي شيء يطلبه مقابل المساعدة. وافق آسر ليس لأن يغفر، بل ليعلمهم درساً لن ينسوه مدى الحياة.
التقيا في مكتب آسر، ولم يكن هناك من أحد سواهما. دخل كمال الألفي وهو يخفض بصره، لم يجرؤ أن ينظر في عين الشاب الذي كان يعتبره يوماً ما صغيراً من العشوائيات لا يفهم شيئاً في الأعمال.
أرجوك يا آسر.. ساعدني، قال بصوت يرتجف. أعرف إننا أخطأنا.. وأعرف إن شاهيناز أساءت الأدب مع والدتك.. لكن هذا ليس ذنب العمال والموظفين الذين يعملون معنا، ولا ذنب عائلاتهم.. أرجوك لا تدمر كل شيء.
آسر نظر إليه بثبات أنا لم أدمر شيئاً يا سيد كمال.. أنتم من بنيتم قصوركم على رمال متحركة.. أنتم من سرقتم، وزورتم، واعتقدتم أنكم فوق القانون.. وحتى ما حدث مع والدتي هو مجرد انعكاس لما تعلمتموه.. أنتم تعتبرون الناس طبقات، فمن كان غنياً فهو محترم، ومن كان فقيراً فهو يستحق الازدراء.. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.
ثم تابع بصوت حازم لكنه لا يحمل كرهاً سأفعل شيئاً واحداً فقط.. سأشتري أصول شركاتكم بالقيمة الحقيقية لها، وسأحافظ على عمل كل الموظفين والعمال، وسأكمل المشروعات التي بدأتموها.. لكن الشركات ستخضع لإدارة جديدة، وستكون تحت إشراف كامل.. ولن أدفع لكم قرشاً واحداً يذهب لتعويض خسائركم أو استمرار أسلوب حياتكم المترف.. ما ستحصلون عليه هو ما يكفيكم لمعيشة كريمة فقط، بشرط أن تتنازلوا عن كل ما تبقى لكم من ممتلكات، وأن تقدموا اعترافاً كاملاً أمام الجهات المختصة.
سكت كمال الألفي طويلاً، ثم انهار على الكرسي، ودمعته سقطت لأول مرة في حياته، وهو يدرك أن ما كان يعتبره نصراً وسيطرة، لم يكن سوى وهم زائل، وأن القوة الحقيقية تكمن في العدالة والصدق، وليس في المال والمنصب.
الجزء الرابع
بعد أسبوع، اتصلت شاهيناز بآسر، كانت صوتها خافتاً ومتردداً، لا يوجد فيه أي أثر للغرور أو التكبر الذي عرفه بها أريد أن أراك.. من فضلك.. أريد أن أتحدث معك قليلاً فقط.
التقيا في مقهى هادئ بعيداً عن أعين الناس، جاءت ترتدي ملابس بسيطة لم تُعهد بها، ووجهها شاحب، وعيناها تحملان آثار البكاء الطويل.
أنا آسفة جداً يا آسر.. آسفة على كل كلمة قلتها، وكل فعل فعلته، بدأت تقول فور ما جلست. لم أكن أفهم.. كنت أتكلم لغة المظاهر فقط، ظننت أن الشياكة في الفستان الغالي، والقيمة في الاسم اللامع.. لم أفهم أن الاحترام هو ما يصنع الإنسان، وأن من يحتقر أهلاً مثلك، لا يستحق أن يكون له مكان في حياتك.
آسر استمع إليها بصمت، ثم قال بهدوء أنا لا أكرهك يا شاهيناز.. لكننا ننظر للعالم من زوايا مختلفة تماماً.. أنتِ نشأتِ وأنتِ ترين أن كل شيء يُقاس بالمال، وأن من لا يملكه لا قيمة له.. وأنا تعلمت من أمي أن الكرامة لا تُباع، وأن العيش بكرامة خير من الملايين مع الذل.
أعرف ذلك الآن.. لكن متأخرة جداً، أليس كذلك؟ سألتها وهي تنظر ليدها الخالية من الخواتم والألماظ. لقد خسړت كل شيء.. عائلتي، ثروتنا، وكل الأصدقاء الذين كانوا حولي.. لم يبق معي أحد.
ليس كل شيء، رد آسر. لقد خسرتِ الأشياء المادية، لكنكِ اكتشفتِ الحقيقة.. وهذا بداية جديدة إن أردتِ.. يمكنكِ أن تبدئي من الصفر، أن تتعلمي الحرف أو العمل، أن تبنى شخصيتكِ بنفسك، دون أن تعتمدي على أحد.. حينها ستعرفين معنى القيمة الحقيقية.
تركها آسر تفكر في كلامه، ومضى في
طريقه، ولم يعد يفكر في الماضي، بل انصب كل اهتمامه على المستقبل، وعلى إكمال مسيرته التي بدأها منذ سنوات، عندما كان طفلاً في العشوائية، يحلم بأن يغير حياته وحياة من حوله للأفضل.
أعاد تنظيم الشركات التي استحوذ عليها، ودمجها في مجموعته، وأطلق برنامجاً طموحاً لتوظيف الشباب من المناطق الشعبية، وتدريبهم وتأهيلهم، وخصص جزءاً كبيراً من أرباحه لبناء مدارس ومستشفيات في المناطق المهمشة، كما وعد نفسه وأمه منذ الصغر.
عرف الناس قصة آسر، وكيف تحول من فتى فقير يعمل في ورش الحدادة ليدفع تكاليف دراسته، إلى رجل أعمال يُحترم لعدالته وإنصافه، وكيف أن ما بذله من جهد واجتهاد، وما تعلمه من أمه، هو ما جعله يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة بثبات وشجاعة.
الجزء الخامس
مر عام على تلك الأحداث، وتغيرت أمور كثيرة، وإن ظلت الذكريات درساً يتعلمه الجميع.
أكمل آسر بناء مشروعاته، وافتتح أول مجمع تعليمي مجاني في المنطقة التي نشأ فيها، وسماه مجمع إحسان للعلوم والتنمية تكريماً لوالدته، التي كانت تحلم بأن يرى أبناء الحي يتعلمون ويتفوقون دون أن يضطروا لترك دراستهم بسبب الفقر.
كان المجمع يضم مدارس ابتدائية وإعدادية وثانوية، بالإضافة لمراكز لتعليم الحرف والمهن، ومركزاً طبياً مجانياً، وكل ذلك بأحدث التجهيزات، وشارك آسر بنفسه في توزيع الزي المدرسي على الطلاب، وجلس معهم ليستمع لأحلامهم وطموحاتهم.
في تلك الأثناء، اختارت شاهيناز طريق البدء من جديد، التحقت بجامعة خاصة، ودرست إدارة الأعمال، وعملت في شركة صغيرة كمتدربة، وتعلمت كيف تكون مسؤولة، وكيف تُكسب قيمتها بجهدها وعملها، وليس باسم عائلتها أو ثروتها. لم تتواصل مع آسر كثيراً، لكنها كانت ترسل له رسائل قصيرة بين الحين والآخر، تخبره فيها بمدى تقدمه، وتشكره لأنه كان السبب في استيقاظها من غفلتها.
ذات يوم، وبينما كان آسر يتفقد سير
تم نسخ الرابط