اهانه أمام 300 شخص

لمحة نيوز

ط الحلقة الأولى بريق العصير وجمر الحقد
اعزمي كمان البنت اللي بتنضف الحمامات... قالتها نجلاء هانم وهي بتهز كاس العصير في إيدها، والماس في صوابعها بيلمع تحت إضاءة النجف الكريستال الضخم. بس قولي لها تيجي بفستان سواريه... نفسي أشوف هتلّف الفستان منين وتتبهدل بيه.
الضحك ملّى أرجاء الفيلا الفخمة في حي الزمالك العريق. شلة نجلاء هانم، المكونة من سيدات المجتمع المخملي اللواتي لا يعرفن من الحياة سوى السفر لأوروبا، والتفاخر بآخر صيحات الموضة، يعتبرن قلة الذوق والتعالي على خلق الله نوعًا من خفة الډم والبرستيج.
بصّت نجلاء هانم، صاحبة البيت، ناحية الممر الخارجي للحديقة من وراء الزجاج الممتد من الأرض للسقف، وشافت ندى البنت الشغالة وهي بتمسح الأرض باليونيفورم الأزرق البسيط. شعرها كان مربوط ضفيرة طويلة ورا ضهرها، وملامحها هادية جدًا... هدوء غريب ومش مفهوم، هدوء واحدة اتعودت على الإهانة والتحكم فبقت ما بتردش، أو هكذا ظنوا.
قالت نجلاء وهي بتبتسم بسخرية وبتعدل خصلات شعرها المصبوغ معاكي حق يا ميرفت... دي هتبقى أحلى فقرة في عيد ميلادي الخمسين. حاجة كدا تكسر الملل.
الباقيين ضحكوا معاها، كالعادة، وبدأوا يخططوا إزاي هيخلوها أضحوكة الحفلة. ندى بقالها 3 سنين كاملة شغالة في البيت ده. كل يوم بتيجي من الساعة 7 الصبح، تنظف أوض وصالونات محدش فيها حتى بيقول لها صباح الخير، وتغسل كاسات كريستال تمن الكاس الواحد فيها أغلى من إيجار شقتها البسيطة لست شهور كاملة. كانت ندى عندها 28 سنة، عيونها عسلي واسعة، ملامحها ناعمة، وهادية بطريقة كانت بتستفز نجلاء هانم بشكل غريب، كأن ندى بكبريائها الصامت ده بترفض تتهزم من جوة.
نادتها نجلاء بصوت عالي وفي نبرتها كل التعالي الممكن تعالي يا بنت.. تعالي هنا.
حطت ندى الممسحة على جنب بهدوء، وعدلت يونيفورمها وقربت من الصالون المعزول. وقفت بأدب وقالت تحت أمرك يا هانم.
مدت نجلاء إيدها بدعوة لونها كريمي فاخر ومكتوب عليها بحروف مذهبة بارزة السبت عندي عيد ميلادي... هيكون فيه حوالي 300 معزوم من كبار البلد، وقررت أعزمك.. شفتي قلبي طيب إزاي؟
أخدت ندى الدعوة من غير ما يبان على وشها أي اندهاش أو ارتباك، كأنها كانت متوقعة الموقف. وبأدب جم قالت شكرًا يا هانم. ده كرم منك.
ابتسمت نجلاء ابتسامة كلها شماتة وترقب للمهزلة وقالت بس متنسيش... المين دريس كود هو فستان سواريه... مش عايزة أي مواقف محرجة قدام ضيوفي، فاهمة؟
رفعت ندى عينيها العسلية وبصت في عين نجلاء هانم ثانيتين بس، نظرة كانت عميقة ومخيفة لدرجة إن نجلاء حست بقشعريرة خفيفة، لكنها تجاهلتها. قالت ندى اطمني يا هانم... فهمت قصد حضرتك كويس جدًا.
ولما بعدت ندى ورجعت لشغلها، اڼفجرت نجلاء وشلتها في الضحك مجددًا. واحدة قالت شفتي وشها؟ أكيد دلوقتي بتفكر تروح لوكالة البلح تستلف فستان قديم ومقطع. وردت التانية الناس البيئة دي عمرهم ما بيفهموا إنهم بيتعزموا في الأماكن دي عشان الناس الهاي كلاس تضحك عليهم وتسخر من فقرهم.
ولا واحدة منهم خدت بالها إن ندى، وهي ماشية في الممر، حطت الدعوة الذهبية في جيب اليونيفورم بهدوء شديد وببطء... كأنها لم تكن مجرد دعوة لحفلة، بل كانت مفتاحًا لباب مغلق مستنية اللحظة دي من سنين طويلة.
الحلقة الثانية الصندوق الخشبي وسر العائلة
بالليل، رجعت ندى شقتها الصغيرة المتواضعة في أحد الأحياء الشعبية البسيطة. الشقة كانت نظيفة جدًا ومنظمة، بتعكس روحها الهادئة. قعدت على الكرسي الخشبي القديم، وحطت الدعوة الكريمي الفاخرة على الترابيزة. بصت لها وهي بتتنفس الصعداء. قلعت هدوم
الشغل الزرقاء اللي بتخفي وراها أنوثتها ورقتها، ولبست هدوم بيت مريحة.
مشيت ندى ناحية الدولاب، ومن أعمق نقطة فيه، طلعت صندوق خشب قديم، مصنوع من خشب الأبنوس الفاخر المحفور يدويًا، صندوق لا يتناسب أبدًا مع فقر الشقة. فتحت الصندوق بمفتاح صغير كانت شايلاه في السلسلة اللي في رقبتها. كان جوة الصندوق ثلاث حاجات صورة قديمة لأمها وأبوها وهم في قمة أناقتهم وشبابهم، وبروش ضخم من الذهب المرصع بحجر زمرد ناصع الخضرة ونادر جداً، وجواب رسمي مختوم بختم عائلة الراوي، واحدة من أكبر وأقدم عائلات المال والأعمال في مصر والشرق الأوسط.
مسكت ندى البروش الزمردي، وبصت لصورة والدها الراحل عاصم الراوي. والدها اللي اتخلى عنه والده، كبير العائلة، بسبب جوازه من والدتها البسيطة، وعاش وماټ في الفقر بعد ما اتقفلت في وشه كل الأبواب بفعل نفوذ عائلته، لټموت والدتها بعده حزنًا وقهرًا، وتجد ندى نفسها وحيدة في مواجهة طاحونة الحياة، مجبرة على العمل كخادمة في بيوت أشخاص اشتروا ثرواتهم بفلوس مشپوهة مثل عائلة نجلاء هانم، التي كان زوجها الراحل مجرد تابع صغير لعائلة الراوي في الماضي.
امتدت إيد ندى بهدوء نحو تليفونها المحمول. فتحت قائمة الأسماء، وضغطت على رقم مخفي تحت اسم مستعار، لكنها حافظاه عن ظهر قلب. رن التليفون ثلاث مرات، قبل ما يجيها صوت راجل كبير في السن، صوت فيه هيبة وقوة بالرغم من وهن العمر، صوت هز جدران الغرفة ألو؟
ندى أخدت نفس عميق، وقالت بنبرة حاسمة خالية من أي تردد يا جدو... خلاص، جه الوقت اللي اتكلمنا عنه. نجلاء هانم عزمتني على حفلة عيد ميلادها قدام كل مجتمع رجال الأعمال.
سكت الصوت في الناحية التانية لثوانٍ طويلة، سكت وكأنه بيسترجع سنين من الذنب والندم على

تم نسخ الرابط