بسبب الديون

لمحة نيوز

تخيفاني بل أصبحتا موطني، وابتسمتُ من قلبِ لأول مرة في حياتي وقلت أعتقد أن المحاسبة الجنائية تقول... إن هذه الصفقة رابحة جداً للطرفين. وتحركت السيّارة مبتعدة عن القصر المڼهار، نحو حياة جديدة تماماً بنياها معاً من حطام الماضي.
لم تكن مغادرة سيارة أدريان لحي الزمالك العتيق، حيث يتهاوى قصر عائلتي خلفنا كقطعة من ورق اللعب، نهاية المطاف، بل كانت إيذاناً بانفجار قنبلة موقوتة زرعناها معاً في أروقة المال والأعمال. في تلك اللحظات، وفيما كانت العجلات تدور متجهة نحو الإسكندرية، حيث يقع المقر السري لإدارة ممتلكات أدريان الحقيقية، رن هاتف أدريان الخاص. لم يكن الهاتف الذي يستقبل عليه مكالمات السيد فالي، بل هاتفه الشخصي المؤمن بالكامل.
ظهر على الشاشة اسم المحامي كامل مهران، وهو الرجل القانوني الوحيد الذي كان يعلم بالهوية المزدوجة لأدريان والمسؤول عن تحريك الدعاوى القضائية في نيابة الأموال العامة.
فتح أدريان الخط ووضعه على مكبر الصوت، فجاء صوت كامل مهران متلاحق الأنفاس، ممتزجاً بضجيج قاعة المحكمة أدريان، الضړبة كانت قاضية بالنسبة لباسم وشاكر الراوي، لكن لدينا مشكلة غير متوقعة. المستشار رفعت المنسي لم ينتظر حتى تصله قوة الشرطة. لقد علم بالقبض على باسم قبل وصولهم بنصف ساعة، ويبدو أن هناك من سّرب له الخبر من داخل مكتب التحقيقات. لقد اختفى تماماً من منزله، وتشير التحريات الأولية إلى أنه توجه إلى ميناء اليخوت في الساحل الشمالي. إذا تمكن من مغادرة المياه الإقليمية على متن يخته الخاص، فسنفقد الصندوق الأسود الذي يحتوي على بقية التحويلات الدولية، والأهم من ذلك... أنه يحمل معه الأصول السائلة لعشيق عائلة الراوي التي هُرِّبت طوال السنوات الثلاث الماضية!.
تغيرت ملامح أدريان الوسيمة في ثانية واحدة. انقبض فكه الحاد، وبرزت الندبة الصغيرة فوق حاجبه بلون أحمر داكن، وهو مؤشر غضبه المكتوم الذي تعلمت قراءته. نظر إليّ ثم قال لكامل كامل، تتبع إشارات هاتف المنسي المغلق، أو أي بطاقة ائتمانية استخدمها في الساعات الأخيرة. أنا ودينا في طريقنا إلى الساحل الآن. لن أسمح للرجل الذي وقع على قرار مصادرة شركة أبي أن يفر بمالنا وحريتنا.
الټفت إليّ وعيناه الزرقاوان تشعان بالقلق دينا، الأمر أصبح خطيراً. المنسي ليس كأخيك باسم؛ إنه ثعلب قانوني ورجل يملك علاقات متشعبة مع شبكات تهريب أموال دولية. هل أنتِ مستعدة للدخول في المرحلة الأكثر خطۏرة؟.
فتحتُ حاسوبي المحمول الصغير الذي لم يكن يفارق حقيبتي، وربطته بشبكة الإنترنت اللاسلكية الخاصة بالسيارة، وقلت ونبرة التحدي تملأ صوتي أدريان، عندما قررتُ دراسة المحاسبة الجنائية، لم أكن أدرسها لأحمي نفسي من باسم فقط، بل كنت أتتبع الأخطبوط من رأسه. رفعت المنسي لم يهرب إلى الساحل الشمالي اعتباطاً. إنه يملك حساباً بنكياً خارجياً Offshore مسجلاً في جزر الكايمان تحت اسم شركة وهمية تدعى Blue Wave. هذا الحساب لا يمكن تسييل أمواله أو تحويلها إلا من خلال مطابقة بصمة العين الرقمية وجهاز تشفير ملموس Hardware Token موجود في خزنة يخته الشخصي. هو يهرب ليأخذ مفتاح ثروته ويهرب بها إلى اليونان. إذا وصلنا إلى اليخت قبل أن يبحر، أو إذا تمكنتُ من اختراق الحساب وتجميده قبل أن يقوم بالتحويل النهائي، فسنحرمه من الهواء الذي يتنفسه.
مرت الساعات الثلاث التالية على طريق وادي النطرون كأنها دهر كامل. أصابعي كانت تطير فوق لوحة المفاتيح، أدخل إلى خوادم البيانات المظلمة التي تتبع حركة الأموال المشپوهة. استخدمتُ مفاتيح التشفير التي نسختها من فلاشة باسم الذهبية قبل ساعات
قليلة في القصر. كانت الفلاشة بمثابة مفتاح العبور الرئيسي Master Key الذي تركه باسم خلفه؛ فباسم، برغم غبائه واندفاعه في القماړ، كان هو العقل التنفيذي الذي يستخدمه المنسي لإخفاء مخرجات عمليات الفساد.
أدريان، انظر! هتفتُ وأنا أشير إلى الشاشة التي بدأت تتدفق عليها سطور برمجية بلون أخضر فوسفوري. باسم كان يحتفظ بنسخة احتياطية من العقد السري بين والدي والمنسي. العقد ينص على أن المنسي يحصل على 35 من أرباح قرية مارينا المرجان التي سُلبت من والدك، مقابل التغطية القانونية وتزوير تقارير فحص التربة. والتحويل الأخير بقيمة أربعة ملايين دولار تم إرساله إلى حساب Blue Wave بالأمس فقط، بعد أن تسلم باسم المقدم من السيد فالي!.
ضړب أدريان عجلة القيادة بقبضته إذن، المال الذي قدمته لعائلتك لإنقاذهم من ديونهم الزائفة، ذهب مباشرة إلى جيب الرجل الذي دمر عائلتي! الدائرة تكتمل يا دينا، والقدر يجمع الخيوط في مكان واحد.
في تمام الساعة الرابعة عصراً، بدأت نسمات البحر المتوسط الرطبة ټضرب زجاج السيارة مع اقترابنا من منطقة مارينا بالساحل الشمالي. الأجواء كانت غائمة بشكل غريب برغم أننا في فصل الصيف، وكأن الطبيعة كانت تستعد للمواجهة الأخيرة. لم نتوجه إلى البوابة الرئيسية للمرسى، بل إن أدريان كان يملك مفتاحاً لبوابة خلفية مخصصة للصيانة، بفضل علاقات شركته القديمة التي كانت قد أشرفت على بناء أجزاء من هذا الميناء قبل مصادرتها.
أوقفنا السيارة خلف حاوية شحن ضخمة تحجب الرؤية عن رصيف اليخوت الخاص. ترجلنا بسرعة، وكان أدريان يرتدي سترة جلدية سوداء ويخفي في جيبه جهاز تشويش لاسلكي عسكري متطور، بينما كنت أحمل حقيبة ظهري وبها أدواتي الرقمية.
مشين بحذر بين اليخوت الفارهة الراسية، حتى أشار أدريان بيده نحو يخت ضخم ذي طابقين، يحمل اسم The Verdict الحكم مكتوباً بحروف مذهبة على مؤخرته. كان اليخت يهتز بفعل محركاته التي كانت تعمل بالفعل في وضع الاستعداد للإقلاع، ودخان عادم الديزل الخفيف يتصاعد في الهواء.
همس أدريان وهو يراقب السطح لا أرى أحداً على السطح، مما يعني أن المنسي في غرفة القيادة بالطابق العلوي مع القبطان، أو في الجناح السفلي ينهي تحويل الأموال. دينا، يجب أن تصعدي معي، لكن بمجرد دخولنا، ستبحثين عن غرفة المكتب لتأمين جهاز التشفير، بينما أتولى أنا مواجهة المنسي والقبطان. لا تتحركي دون غطاء.
تسللنا عبر الممر الخشبي الضيق المؤدي إلى اليخت. قفز أدريان بخفة وساعدني على الصعود. كانت أرضية اليخت تهتز تحت أقدامنا، وصوت أمواج البحر المتلاطمة يغطي على حركتنا. بمجرد أن فتحنا الباب الزجاجي المنزلق المؤدي إلى الصالون الرئيسي، تفاجأنا برجل ضخم البنية يرتدي زي طاقم اليخت يخرج من المطبخ التحضيري حاملًا حقيبة سفر جلدية.
لم يمنحه أدريان فرصة للصړاخ أو التحذير. في لمح البصر، اندفع نحوه وثبته بحركة احترافية أرضاً، ضاغطاً على رقبته حتى فقد الوعي مؤقتاً دون إحداث جلبة. سحب أدريان الرجل إلى داخل المطبخ وأغلق الباب، ثم نظر إليّ وقال هذا هو الحارس الشخصي للمنسي. القبطان حتماً في الأعلى. تحركي نحو المكتب الآن!.
ركضتُ في الممر الضيق المؤدي إلى مقصورة القيادة السفلية والمكتب. فتحت الباب الأول، وكان عبارة عن غرفة مكتب فاخرة من خشب الجوز الداكن. على المكتب، كان هناك جهاز كمبيوتر محمول مفتوح، وموصل به جهاز صغير يلمع بضوء أزرق متقطع؛ إنه جهاز التشفير الذي كنا نبحث عنه! والشاشة كانت تعرض شريط تقدم لعملية تحويل بنكي دولي مكتوب عليه جاري نقل 14000000 دولار إلى بنك لوغانو، سويسرا... اكتمل
85.
جلستُ على المقعد بسرعة، وبدأت أصابعي تتسابق مع الزمن لإيقاف التحويل. كانت الأنظمة الأمنية للبنك السويسري معقدة للغاية، وتطلب كلمة مرور الطوارئ لإلغاء المعاملة الجارية. حاولتُ استخدام كل الرموز المستخرجة من ملفات عائلتي، لكن الشاشة أظهرت باللون الأحمر محاولة خاطئة. متبقي محاولتان قبل إغلاق الحساب نهائياً وتحويل الأموال للمستفيد.
في تلك اللحظة، سمعتُ صوتاً مألوفاً قادماً من مدخل الغرفة، صوتاً ثعبانياً عشته طوال طفولتي وأنا أراه يزور القوانين لصالح أبي.
دينا؟ ابنة شاكر؟ لم أكن أعلم أن العروس الصغيرة تركت فراش زوجها العجوز لتلعب دور القراصنة على يختي!
التفتُّ ببطء، ل أجد المستشار رفعت المنسي واقفاً عند الباب. كان رجلاً في الستين من عمره، بشعر رمادي مصفف بعناية، يرتدي حلة بيضاء صيفية، لكن وجهه كان يحمل ملامح الۏحش المحاصر. وفي يده... كان يمسك بمسډس صغير مذهب يوجهه مباشرة نحو صدري.
لم أتحرك من مقعدي، وحاولت الحفاظ على هدوئي الذي تعلمته من المحاسبة الجنائية؛ فالخۏف هو أول ثغرة يستغلها الخصم. قلت له بنبرة ثابتة الزيجة كانت خدعة يا مستشار، تماماً مثل تقارير فحص التربة التي وقعت عليها لټدمير عائلة أدريان. عائلتي انتهت؛ أبي في النيابة الآن، وباسم يقبع في الزنزانة، والقصر الذي كنت تسهر فيه مخروب ومحجوز عليه. وأنت... لن تغادر هذا المرسى.
ضحك المنسي ضحكة ساخرة خبيثة شاكر وباسم أغبياء وجشعين، واستخدمتهما كأدوات لتنفيذ مآربي. أما أنا، فأملك هذا المسډس، وأملك هذا اليخت، وبمجرد أن يكتمل هذا الشريط على الشاشة، سأكون في عرض البحر حيث لا سلطة للقانون المصري عليّ. ابتعدي عن الحساب، وإلا سأجعلكِ تلحقين بوالد أدريان... الذي لم يتحمل الصدمة واڼتحر بمسډس يشبه هذا تماماً.
وقبل أن يكمل جملته، ظهر ظل خلفه في الممر المظلم. كان أدريان قد تخلص من القبطان في الأعلى ونزل كشبح متسلل. لكن المنسي، بفضل مرآة الرؤية الخلفية المعلقة على جدار المكتب، لمح حركة أدريان. الټفت بسرعة ووجه المسډس نحوه، وأطلق رصاصة دوت في أرجاء اليخت الضيقة!
انحرف أدريان بسرعة، فأصابت الړصاصة الجدار الخشبي بجانبه، وتناثرت الشظايا. اندفع أدريان بكل قوته نحو المنسي، واشتبكا في صراع عڼيف على السلاح. سقط المسډس من يد المنسي وتدحرج تحت المكتب، وبدأ الرجلان يتبادلان اللكمات. برغم فارق السن، كان المنسي يقاتل بشراسة شخص يدافع عن حياته وحريته، بينما كان أدريان مدفوعاً بنيران اڼتقام مكبوتة لعشر سنوات كاملة.
لم أهتم بالقتال الدائر بجانبي، بل ركزت عيني على شاشة الكمبيوتر التحويل وصل إلى 94. كان يجب أن أجد كلمة المرور لإلغاء التحويل فورا وتجميد الثروة. تذكرتُ فجأة ملاحظة صغيرة وجدتها في دفاتر أخي باسم السرية، حيث كان يكتب كلمات مشفرة بجانب اسم المنسي. كانت العبارة هي العدالة العرجاء 1996. 1996 كان العام الذي عين فيه المنسي مستشاراً في الوزارة لأول مرة وبدأ فيه مسيرته الفاسدة.
أدخلت العبارة بالإنجليزية LameJustice1996 وضغطت Enter.
أطلقت الشاشة صوتاً حاداً، وتحول اللون الأحمر إلى أخضر، وظهرت رسالة تم إلغاء التحويل بنجاح. تم تجميد الحساب وإرسال إشعار إلى وحدة مكافحة غسيل الأموال الدولية بموجب المادة القانونية لحظر الأصول المشپوهة.
في نفس اللحظة، نجح أدريان في تسديد لكمة قوية إلى فك المنسي، أطاحت به أرضاً مغشياً عليه بجانب الخزنة المفتوحة. تنفس أدريان بصعوبة، وكان هناك چرح صغير ېنزف عند صدغه بفعل شظية خشبة الړصاصة. نظر إليّ والدموع تكاد تفر من عينيه من فرط الإرهاق العاطفي، وتساءل هل فعلتها يا دينا؟.
وقفتُ من خلف المكتب، وسحبتُ جهاز التشفير الصغير Hardwar
Token ووضعته في جيبه، وقلت وعيني تلمع بالانتصار لقد انتهى الأخطبوط تماماً يا أدريان. الأموال مجمدة الآن، والمنسي لن يجد قرشاً واحداً يدفعه للمهربين أو المحامين في الخارج. والآن... دعنا نتصل بالشرطة البحرية لتستلم هديتها.
جلسنا على سطح اليخت في انتظار وصول قوات الأمن. كانت خيوط الشمس الدافئة بدأت تخترق الغيوم لتنعكس على صفحة مياه البحر الزرقاء النظيفة. نظر أدريان إليّ، ولأول مرة منذ أن التقينا، لم تكن هناك نظرة الاڼتقام الحادة أو البرود المستعار في عينيه؛ كانت هناك فقط نظرة امتنان عميقة وصادقة.
قال وهو يمسك بيدي التي كانت لا تزال ترتجف قليلاً من أثر الأدرينالين دينا، عندما بدأتُ هذه الرحلة، كنت أظن أنني سأجد شفائي في ټدمير عائلة الراوي وتشريدهم. لكنني اليوم أدركت أن الشفاء الحقيقي لم يكن في الاڼتقام... بل كان في العثور عليكِ. أنتِ لستِ ابنة عائلتك؛ أنتِ إنسانة صنعت نفسها من وسط الركام والظلم، وحققتِ العدالة التي عجزتُ عن تحقيقها بالقوة وحدها.
ابتسمتُ، وشعرتُ بأن الثقل الذي كان يجثم على صدري منذ أن كنت في السادسة والعشرين من عمري، وأمي تخبرني بأنني مجرد صفقة لإنقاذ البيت، قد تبخر تماماً مع هواء البحر. قلت له لقد أغلقنا الدفاتر القديمة يا أدريان، وحان الوقت لنبدأ صفحة جديدة تماماً... صفحة بيضاء، نكتبها معاً بأسمائنا الحقيقية، ودون أي أقنعة.
ومع سماع أصوات سيرينات شرطة الساحل وهي تقترب من المرسى، علمنا أننا لسنا فقط ضحاېا نجوا من المقصلة، بل أصبحنا سادة مصائرنا، مستعدين لبناء مستقبل نقي من حطام ماضٍ لم يكن لنا يد فيه.

تم نسخ الرابط