بسبب الديون

لمحة نيوز

ذلك. لكننا بحاجة إلى التوقيع الحي الرقمي لباسم الموجود على الفلاشة المشفرة في خزنة مكتبه بالقصر. بدون هذا التوقيع، يمكنهم إنكار أن هذه الحسابات السرية تخصهم، والادعاء بأنني أنا من زورتها للاڼتقام منهم بسبب إجباري على الزواج. نظر إليّ أدريان وقال إذن، يجب أن ننظم مأدبة عشاء في قصر والدكِ، وسيكون السيد فالي مريضاً جداً في ذلك اليوم، مما يتطلب بقاءكِ معه في الطابق العلوي لتمريضه... بينما تقومين بمهمتكِ.
في الأسبوع الثالث من الزواج، أرسل أدريان بصفته السيد فالي رسالة إلى أبي يعلمه فيها برغبته في تناول العشاء في قصر الراوي لمناقشة شراكة جديدة وتسييل جزء من ديون الشركة. طار أبي وأخي فرحاً؛ ظنوا أن السمكة الكبيرة قد ابتلعت الطعم بالكامل، وأنهم سيحصلون على ملايين إضافية دون مجهود.
وصلنا إلى القصر في تمام الساعة الثامنة مساءً. كان أدريان يمثل دور العجوز المنهك بدقة مرعبة؛ يتنفس بصعوبة، يستند بكامل ثقله على عصاه وعلى كتفي. أمي كانت قد أعدت مائدة حافلة بكل ما لذ وطاب، وبدأ الحديث يدور حول الاستثمارات.
أثناء العشاء، تظاهر أدريان فجأة بنوبة سعال حادة وضيق في التنفس. صرختُ بتمثيل متقن يا إلهي! دواء السيد فالي في الحقيبة بالطابق العلوي، يجب أن يرتاح فوراً في غرفتي القديمة. نهض أبي وباسم مسرعين لمساعدته، ونقلناه إلى الجناح العلوي بالقصر. طلب أدريان بصوت واهن أن يختلي بي ليرتاح، وطلب منهم إكمال العشاء والانتظار في الأسفل حتى يسترد عافيته.
بمجرد أن أُغلق باب الغرفة وتأكدنا من نزولهم، نهض أدريان من السرير بسرعة وخفة، ونزع جهاز قياس نبضات القلب المزيف الذي كان يرتديه في إصبعه ليتحكم في قراءات المؤشرات أمامهم. قال لي معكِ خمس عشرة دقيقة فقط يا دينا. سأقوم بتشغيل جهاز تشويش الكاميرات في هذا الدور من هاتفي، لكنه لن يعطل الكاميرات لأكثر من عشر دقائق دون أن يلاحظ مهندس الأمن الخاص بهم في الأسفل.
أومأتُ برأسي وتحركتُ كشبح في الممر المظلم نحو مكتب باسم. قلبي كان ينبض پعنف، ليس خوفاً من الفشل، بل رغبة في الخلاص. دخلتُ المكتب، وكانت الأجواء تفوح برائحة سجائره الفاخرة. توجهتُ مباشرة نحو اللوحة الزيتية المعلقة خلف مكتبه، كنت أعلم من مراقبتي له سابقاً أن الخزنة الرقمية مخبأة وراءها.
فتحتُ اللوحة، وبدأت في إدخال الرمز الذي استنتجته من تاريخ ميلاد عشيقته السرية وأرقام لوحة سيارتها، وهو غباء تقليدي يقع فيه أمثال باسم. تيك... تيك... كليك. انفتحت الخزنة. وجدتُ الفلاشة الذهبية المشفرة ذات التوقيع الرقمي. أدخلتها في جهاز اللاب توب الصغير الذي أحضرته معي في حقيبتي، وبدأت في نسخ البيانات الحيوية ومفاتيح التشفير.
المؤشر على الشاشة كان يتحرك ببطء قاټل 40... 60... 80... وفجأة، سمعتُ خطوات تقترب من الباب الخارجي للمكتب! تجمد الډم في عروقي. كانت أصوات ضحكات باسم المتبجحة وهو يتحدث في الهاتف نعم يا عزيزتي، العجوز سيموت قريباً، والمليونيرة الصغيرة ستكون تحت طوعنا... سآتي إلى المكتب لأحضر عقد الرهن لأتأكد من بند الشروط...
لم يكن أمامي وقت لإغلاق الخزنة أو سحب الفلاشة. انقطعت الأنفاس في صدري، واستندتُ على حافة المكتب وأنا أستعد للأسوأ. لكن في تلك اللحظة الحرجة جداً، سمعت صوت السيد فالي من الممر وهو ينادي بصوت عالٍ ومبحوح ويتظاهر بالتعثر والسقوط آه... أين أنتِ يا دينا؟ أين الحمام؟ لقد ضللت الطريق في هذا الظلام....
توقف باسم عن الكلام، وتحولت خطواته نحو الممر مسرعاً لإنقاذ الدجاجة التي تبيض ذهباً. استغللتُ الثواني الثمينة، سحبتُ
الفلاشة، أغلقتُ الخزنة، وأعدتُ اللوحة الزيتية إلى مكانها، ثم خرجتُ من باب جانبي للمكتب يفتح على الشرفة الخلفية، لالتف وأدخل الممر من الجهة الأخرى وكأنني كنت أبحث عن السيد فالي أيضاً.
وجدتُ باسم يمسك بأدريان العجوز الذي كان يتظاهر بالدوار. ركضتُ نحوهما قائلة بلهفة أنا هنا يا سيد فالي، اعتذر، كنت أحضر لك كوباً من الماء الدافئ من المطبخ الصغير. نظر إليّ باسم بنظرة شك خفيفة لكنه تداركها قائلاً الحمد لله أنك وجدته، السيد فالي يبدو متعباً جداً، أظن أنه من الأفضل أن ينال قسطاً من الراحة في منزله.
عدنا إلى الفيلا، وبمجرد دخولنا المكتب السري، أخرجتُ الفلاشة الذهبية ووضعتها على الطاولة. تنفس أدريان الصعداء ونزع قناعه، ونظر إليّ وعيناه تلمعان بالفخر لقد خاطرتِ بحياتكِ الليلة يا دينا. لو كشفكِ باسم لكان الأمر انتهى بشكل مأساوي.
ابتسمتُ وقلت له أنت من أنقذ الموقف بتظاهرك بالدوار. الآن، نحن نملك كل شيء. التوقيع الرقمي لباسم، الحسابات السرية، والتحويلات إلى المستشار رفعت المنسي. متى تبدأ الضړبة؟.
جلس أدريان خلف مكتبه وبدأ في دمج البيانات الجديدة مع ملفاته القانونية، وقال بنبرة باردة كالثلج غداً صباحاً، ستتوجه النيابة العامة للأموال العامة بتقرير كامل وموثق لا يقبل الشك. لن يجدوا وقتاً للهروب أو ټدمير الأدلة. وفي نفس الوقت، سيعلن محامي السيد فالي إفلاس شركة الراوي رسمياً والحجز على القصر بموجب الشروط الجزائية لعقد الرهن، لأن باسم قام بسحب مبلغ مليون دولار من العشرة ملايين التي قدمتها له بالامس وتحويلها لحسابه الخاص في سويسرا، وهو ما يعتبر إخلالاً صريحاً ببند استخدام الأموال في إصلاح هيكل الشركة المنصوص عليه في العقد.
أمضينا بقية الليل في مراجعة اللمسات الأخيرة. لم نكن مجرد شريكين في اڼتقام، بل نشأت بيننا رابطة غريبة وعميقة؛ رابطة شخصين ذاقا مرارة الظلم من نفس الأشخاص، ووجدا في بعضهما البعض الأمان والعدالة التي حُرما منها لسنوات.
في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، كنت أجلس مع أدريان في سيارته ذات الزجاج الداكن، المتوقفة على مسافة قريبة من قصر عائلتي. كان أدريان بشكله الحقيقي، شاباً وسيماً يرتدي بدلة سوداء أنيقة، تخلص من قناع العجوز وصوته المستعار إلى الأبد.
رأينا ثلاث سيارات تابعة للشرطة والنيابة العامة تقف أمام بوابة القصر. خرج الضباط والمحضرون القضائيون. بعد دقائق، رأيتُ أبي شاكر الراوي يخرج مذهولاً، يرتدي ملابس المنزل المنزوعة الهيبة، وهو يحاول التحدث مع وكيل النيابة وإبراز أوراق واهية. ثم خرج أخي باسم مقيد اليدين بالكلابشات الحديدية، ووجهه شاحب كالمۏتى، تلاشت منه كل مظاهر الغرور والتبجح.
وفي نفس الوقت، كان المحضر القضائي يعلق لافتة محجوز عليه بأمر المحكمة على بوابة القصر الكبيرة. ظهرت أمي عند الباب وهي تصرخ وتبكي، وتلتفت يميناً ويساراً تبحث عن هاتفها لتتصل ب السيد فالي العجوز الثري لينقذهم... دون أن تعلم أن السيد فالي ليس سوى الشاب الذي يجلس بجانبي ويوجه لها ضړبة القاضية.
التفتُّ إلى أدريان، وكانت هناك دمعة وحيدة تفلت من عيني، لكنها لم تكن دمعة حزن، بل دمعة تحرر. قلت له لقد انتهى الأمر أخيراً... لقد أخذت حق والدك، وأنا أخذت حريتي.
نظر أدريان إليّ بعمق، وأمسك بيدي برقة قائلاً الأمر لم ينتهِ بعد يا دينا... بل هو البداية فقط. الزواج المزيف من السيد فالي انتهى قانونياً بۏفاته المفترضة هذا الصباح في السجلات الرسمية... لكنني أتساءل، هل هناك فرصة لنبدأ قصة جديدة، قصة تخص أدريان ودينا فقط، بعيداً عن الأقنعة والاڼتقام؟.
نظرتُ إلى عينيه الزرقاوين
الحادتين اللتين لم تعودا
تم نسخ الرابط