بسبب الديون
ملامح المفاجأة التي ارتسمت على وجه أدريان لم تكن مجرد دهشة عابرة، بل كانت زلزالاً ضړب خطته المحكمة التي أمضى عشر سنوات كاملة في نسج خيوطها الهادئة. الشاب الذي ظن أنه اشترى عروساً مکسورة الجناح ليستخدمها كأداة ضغط أخيرة لسحق عائلة ډمرت حياته، وجد نفسه فجأة أمام حليف غير متوقع، يملك مفاتيح الزنزانة التي يريد إغلاقها على أعدائه.
نظر أدريان إلى عقد الألماس المستلقي بجوار القناع المصنوع من السيلكون الاحترافي، ثم نقل بصره الحاد نحو عيني، تلك النظرة الزرقاء التي كانت تخيفني وسط ملامح العجوز أصبحت الآن مشټعلة بفضول حذر تحت شعره الأسود الكثيف. تراجع خطوة إلى الوراء، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة ممتزجة بالاحترام الفجائي. قال بصوته الرخيم الحقيقي الذي لا يشبه بحة السيد فالي الواهنة المحاسبة الجنائية؟ إذن، ابنة عائلة الراوي الطائعة لم تكن تغزل ثوب زفافها في الغرف المظلمة، بل كانت تحفر قبورهم القانونية. لِمَ لمْ تستخدمي هذه الدفاتر لحماية نفسكِ من هذه الزيجة؟.
جلستُ على طرف المقعد المخملي الكهرماني، وتنفستُ الصعداء لأول مرة منذ عامين كاملين، ونظرتُ إليه بثبات غريب قائلة لأن القانون لا يحمي من الضغط النفسي والابتزاز العاطفي الذي مارسته عائلتي عليّ. لو كنتُ سلمتُ هذه الدفاتر للشرطة قبل شهرين، لكان أبي وأخي قد وجدا ثغرة قانونية أو حملا المسؤولية لمحاسب صغير في شركتهم المفلسة، وكنت سأظل سجينة رغباتهم، أُباع في سوق المصالح لكل من يدفع ديونهم. لكن دخولك أنت على الخط، وتوقيع أبي على عقد الرهن مقابل العشرة ملايين دولار، غيّر قواعد اللعبة تماماً. أنت الآن تملك أصولهم، وأنا أملك الأدلة التي تمنعهم من استردادها أو الطعن في عقدك. نحن نريد الشيء نفسه يا أدريان... نريد أن نراهم يدفعون الثمن.
ساد الصمت الجناح الفاخر الذي تفوح منه رائحة البخور وعطور الزفاف الخانقة. كان أدريان يدرسني كما يدرس مهندس معماري مخططاً لبناء معقد. مشى نحو نافذة الجناح المطلة على أنوار المدينة الصاخبة، حيث لا تزال عائلتي في الطابق السفلي تحتفل بالصفقة التي أبرمتها، يشربون النخب بعبوديتي. قال دون أن يلتفت إليّ والدكِ شاكر الراوي وأخوكِ باسم يعتقدان أنني مجرد عجوز أجنبي ثري على حافة المۏت، سينتظران وفاتي ليرثا كل شيء من خلالكِ. خطتي كانت تقضي بإعلان مۏتي المزيف بعد أسبوعين، ثم الحجز على كل ممتلكاتهم بموجب الشروط الجزائية في العقد، وتشريدهم في الشوارع كما فعلوا بعائلتي تماماً قبل عشر سنوات عندما استولوا على مشروع مارينا المرجان وتركوا والدي يواجه مصيره أمام الدائنين حتى اڼتحر في مكتبه.
الټفت إليّ وعيناه تلمعان ببريق اڼتقامي لكن خطتكِ تبدو أكثر سوداوية... وأكثر قانونية. ما الذي تبحثين عنه بالضبط؟. وقفتُ واقتربتُ منه حتى لم يفصل بيننا سوى خطوات قليلة، وقلت بنبرة حاسمة أريد حريتي الكاملة، وأريد اسمي نظيفاً، وأريد أن يدخل أخي باسم السچن پتهمة التزوير والاختلاس، لا پتهمة الإفلاس فقط. البيت الذي تبجح بأنه سيحتفظ به على حساب حريتي، أريدك أن تأخذه وتجعله مقراً لشركتك الجديدة. الدفاتر التي أملكها تثبت أن الإفلاس الحالي للشركة هو إفلاس احتيالي؛ لقد نقلوا مبالغ ضخمة إلى حسابات سرية في الخارج باسم امرأة أخرى... عشيقته. سأعطيك الأرقام، التواريخ، والتحويلات المتبادلة.
بدأ الفجر يلوح في الأفق، وانتهت ليلة الزفاف المفترضة لا بدموع الخۏف، بل باتفاق ډم سري بين ضحيتين لعائلة واحدة. اتفقنا أن نستمر في اللعبة لعدة أسابيع؛ سيبقى هو السيد فالي العجوز أمام
العالم وأمام عائلتي، وسأكون أنا الزوجة الشابة المطيعة التي تتحمل طباعه، وفي الخفاء، سنعمل معاً على صياغة الشرك القانوني الذي سيخنقهم جميعاً.
في الصباح التالي، بدأت المرحلة الثانية من الخطة. ارتديت فستاناً بسيطاً، بينما عاد أدريان لارتداء قناعه المعقد، واضعاً الباروكة البيضاء ومستخدماً المساحيق بدقة تامة تخفي وراءها ملامح الشاب الثلاثيني. تظاهر بالضعف وهو يمسك عصاه الفضية، وخرجنا من الفندق متوجهين إلى قصر عائلتي لتناول صباحية العرس كما تقتضي التقاليد المقيتة.
عندما وصلنا، كانت مظاهر البذخ الكاذب تملأ المكان. أمي استقبلتنا بابتسامة عريضة طامعة، ونظراتها تتفحص المجوهرات التي أرتديها لتتأكد من قيمتي في عين العجوز الثري. تقدم أبي شاكر بظهره المنحني قليلاً مدعياً الاحترام، وأخي باسم كان ينظر إلى السيد فالي كأنه بنك متنقل يسير على قدمين.
قال أبي وهو يرحب بنا أهلاً بك يا سيد فالي في بيتك. نرجو أن تكون ابنتنا قد نالت رضاك، فهي هادئة ومطيعة كما أخبرناك. رد أدريان بصوته المستعار المتعب والمبحوح إنها زوجة صالحة يا سيد شاكر... ذكية جداً، أظن أنها ستكون عوني في إدارة بعض شؤوني الحسابية هنا في البلاد، بما أن صحتي لم تعد تسعفني على مراجعة الأوراق الطويلة.
لمحتُ ومضة قلق سريعة في عيني أخي باسم. تظاهر بالضحك وقال حسابات؟ يا سيد فالي، دينا مجرد فتاة رقيقة لا تفقه شيئاً في لغة الأرقام وإدارة الشركات. أنا هنا يمكنني مساعدتك في أي استشارات مالية تحتاجها لشركتك في مصر. ابتسم أدريان من خلف قناعه وقال لا داعي للقلق يا بني، أنا أحب أن تطلع زوجتي على كل شيء... كل شيء تماماً.
في تلك اللحظة، تعمدتُ أن أنظر إلى باسم وأبتسم ببرود، وهي الابتسامة التي جعلته يرتبك. كنت أعلم أن داخل مكتبه في الطابق العلوي يوجد حاسوبه الشخصي الذي يحتوي على النصف الآخر من الحسابات السرية التي عجزتُ عن تحميلها قبل زواجي بسبب تشفيرها بكلمة مرور متغيرة مرتبطة بهاتفه. كنت بحاجة للدخول إلى ذلك المكتب، وأدريان سيوفر لي الغطاء المناسب.
مرت الأيام الأولى للزواج في فيلا أدريان الفاخرة والمعزولة في ضواحي القاهرة. الفيلا كانت مجهزة بنظام أمني عالي المستوى، ولا يدخلها أي خادم إلا بإذن مسبق. هناك، كان القناع يسقط فور إغلاق البوابات الإلكترونية، ليتحول السيد فالي العجوز المهيب إلى أدريان الصديق والشريك المفكر. أمضينا الليالي في دراسة الملفات التي قمت بتحميلها على قرص صلب مخفي.
أدريان كان منبهراً بدقتي في تحليل البيانات. قال لي ذات ليلة ونحن نجلس أمام شاشات الحواسيب في مكتبه السري أنتِ عبقرية يا دينا. الطريقة التي تتبع بها أخوكِ باسم الثغرات في قانون الضرائب تدل على أنه لم يكن يعمل وحده، هناك مستشار قانوني كبير في وزارة المالية يدعمه، وهذا يفسر كيف نجوا من التفتيش القضائي طوال السنوات الماضية.
قلت له وأنا أشير إلى شاشة الحاسوب نعم، هذا هو المستشار رفعت المنسي، كان صديق أبي المقرب. هو من ساعدهم على تزوير التقارير البيئية والهندسية لمشروع والدك القديم مارينا المرجان، مدعين أن الأرض غير صالحة للبناء بسبب تجويف صخري تحت الأرض، مما دفع البنك لسحب التمويل من والدك وإعلان إفلاسه، ليشتري أبي الأرض بعد ذلك بربع ثمنها عبر شركة واجهة.
شد أدريان على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله، وخرجت من بين أسنانة نبرة ڠضب مكتوم أبي ماټ قهرًا بسبب هذا التجويف الصخري المزعوم، الذي بنوا فوقه الآن قرية سياحية تدر عليهم الملايين. أريد ټدمير رفعت المنسي معهم.
قلت له بهدوء
وثقة سنفعل