بعد ما ابويا مات

لمحة نيوز


اللي حصل.
فسكت للحظة.
وبعدين قال
اقفلي الباب كويس. وأنا جاي حالًا.
أول مرة أحس إنه مرعوب بالشكل ده.
بعد أقل من عشرين دقيقة كان هو وندى عندي.
وريتهم الرسالة.
ندى وشها شحب فجأة.
وقالت
الرقم ده...
بصيتلها بسرعة.
تعرفيه؟
هزت رأسها ببطء.
شوفت آخر أربع أرقام منه قبل كده.
فين؟
سكتت.
وكأنها مترددة.
ثم قالت
في ملف بابا.
في اللحظة دي حسيت إن اللغز بيكبر أكتر.
قلبنا كل الأوراق من جديد.
ولقينا فعلًا ورقة صغيرة متدبسة في آخر الملف.
فيها نفس الرقم.
وجنب الرقم ملاحظة بخط أبويا
لا تثقوا بهذا الشخص.
برودة غريبة سرت في جسمي.
أبويا كان عارفه.
ومحذر منه.
لكن مين هو؟
وليه بيراقبني؟
وفجأة وقع ظرف صغير من بين الأوراق.
ما كناش لاحظناه قبل كده.
كان مقفول بإحكام.
ومكتوب عليه
يُفتح فقط إذا حدث لي شيء قبل أن أحكي الحقيقة بنفسي.
بصينا لبعض.
وفتحت الظرف.
كان فيه خطاب قصير جدًا.
لكن كل كلمة فيه كانت كفيلة تقلب الدنيا.
يا سارة...
الرجل الذي تعتقدين أنه والدك الحقيقي ليس عدوًا.
لكنه ليس الضحية الوحيدة أيضًا.
هناك شخص آخر ظل يبحث عنك طوال هذه السنين.
وإذا وصلك هذا الخطاب، فاعرفي أن الخطر الحقيقي ليس من الماضي...
بل من شخص قريب جدًا من العائلة.
توقفت أنفاسي.
ندى شهقت.
أما كريم فخطف الورقة من إيدي.
وكمل قراءة السطر الأخير بصوت مرتجف
والدليل موجود داخل الخزنة الحديدية في المزرعة القديمة.
رفعت رأسي بسرعة.
المزرعة القديمة.
مكان مهجور كان أبويا محتفظ بيه من سنين.
وما حدش بيروحه تقريبًا.
لكن قبل ما حد فينا ينطق...
سمعنا صوت رسالة جديدة على هاتفي.
فتحتها.
وكان فيها صورة للخزنة الحديدية نفسها.
لكن الصدمة ما كانتش في الصورة.
الصدمة كانت إن باب الخزنة كان مفتوح.
وفي أسفل الصورة مكتوب
للأسف... وصلتوا متأخر.
وفي الخلفية، ظهر شخص واقف بظهره للكاميرا.
شخص كان الجميع يعرفه جيدًا...
لكن ما كانش ممكن أصدق أبدًا إنه هو تجمدنا كلنا وإحنا بنبص للصورة.
كبرتها مرة واتنين.
وفجأة ندى حطت إيدها على بوقها من الصدمة.
أما كريم فوشه شحب تمامًا.
لأن الشخص اللي واقف قدام الخزنة...
كان المحامي الخاص بأبويا.
نفس المحامي اللي سلّمنا الوصية.
ونفس الشخص اللي وثقنا فيه كلنا من غير تردد.
في البداية رفضت أصدق.
لكن لما روحنا المزرعة القديمة في نفس اليوم، لقيناه هناك فعلًا.
كان واقف جنب الخزنة المفتوحة.
ولما شافنا ما حاولش يهرب.
ولا حتى ينكر.
بالعكس...
قعد على كرسي خشبي قديم وقال بهدوء
كنت عارف إنكم هتوصلوا.
صرخت فيه
إنت مين؟ وعايز مني إيه؟
تنهد طويلًا.
وقال
أنا ما كنتش عايز أؤذيكي يا سارة. كنت بحاول أخفي حاجة واحدة بس.
وأشار للخزنة.
جواها كانت ملفات قديمة ومستندات.
لكن أهم حاجة كانت دفتر صغير بخط أبويا.
أخدته وبدأت أقلب صفحاته.
وهنا ظهرت الحقيقة كاملة.
من أكتر من ثلاثين سنة، والدتي اتعرضت لظروف صعبة جدًا بعد انفصالها عن والدي الحقيقي.
والدي الحقيقي سافر خارج البلد واختفى لفترة طويلة.
وفي الوقت ده ظهر الرجل اللي رَبّاني.
أبويا.
احتواني وأنا طفلة.
وسجّلني باسمه.
ورباني كأنني ابنته من دمه.
ولما رجع والدي الحقيقي بعد سنوات طويلة، كان الأوان فات.
أنا كنت كبرت.
وبقي عندي أب أحببته وعرفته.
فتم الاتفاق بين الرجلين على إخفاء الحقيقة حفاظًا على استقراري.
أما المحامي...
فكان يعرف السر كله.
وكان خايف الحقيقة تظهر بعد وفاة أبويا فتدمر العائلة وتدخلنا في نزاعات قانونية على بعض الممتلكات القديمة.
عشان كده حاول ياخد الأوراق قبل ما نوصل لها.
لكن ما كانش هو صاحب الرسائل المجهولة.
اتصدمت.
أمال مين؟
سكت المحامي.
ثم قال
والدك الحقيقي.
اتسعت عيني.
هو؟!
هز رأسه.
كان بيتابعك من بعيد. ولما عرف إن الحقيقة بدأت تظهر، خاف من رد فعلك. كان بيبعت الرسائل عشان يمنعك توصلي له قبل ما يشرح بنفسه.
في اللحظة دي رن هاتفي.
رقم مجهول.
رديت.
وسمعت نفس الصوت اللي كلمني قبل كده.
لكن المرة دي كان هادئًا.
وقال
أنا آسف يا سارة.
سكت للحظة.
ثم أكمل
أنا مش بطلب منك تعتبريني أبوكي. لأن الراجل اللي رباكي هو أبوكي الحقيقي. وأنا عمري ما هقدر أخد مكانه.
دموعي نزلت.
لأول مرة حسيت إن الرجل ده لا بيحاول يسرق ذكرى أبويا ولا ينافسه.
كان فقط يريد فرصة للاعتذار.
بعد أيام وافقت أقابله.
جلسنا ساعات طويلة نتكلم.
سمعت منه كل شيء.
وسمعت منه ندم ثلاثين سنة كاملة.
وفي النهاية، لما رجعت البيت، فتحت آخر رسالة كتبها أبويا قبل وفاته.
وكان فيها جملة واحدة
الأب الحقيقي ليس من أنجبك... بل من اختار أن يحبك كل يوم.
أغلقت الرسالة وابتسمت وسط دموعي.
في تلك اللحظة فهمت الحقيقة.
لم أفقد أبي مرتين.
بل كنت محظوظة لأن الحياة منحتني رجلين أحباني بطريقتين مختلفتين.
أما كريم وندى...
فاكتشفت أن كل اجتماعاتهما السرية كانت فقط لتنفيذ وصية أبي وحماية الحقيقة حتى يحين الوقت المناسب.
وساعتها شعرت بالخجل من شكوكي.
واعتذرت لهما.
وبعد شهور، اجتمعت العائلة كلها على مائدة واحدة.
وتحدثنا عن أبي.
وضحكنا.
وبكينا.
لكن لأول مرة منذ وفاته...
شعرت بالسلام.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط