بعد ما ابويا مات

لمحة نيوز

بعد وفاة أبويا بشهر واحد بس
كنت لسه بصحى كل يوم وأنسى للحظة إنه مش موجود، وبعدها الحقيقة تنزل على قلبي من جديد كأنها أول مرة.
اسمي سارة.
عندي 34 سنة.
ومتجوزة من كريم بقالنا 8 سنين.
وأبويا كان أقرب إنسان ليا في الدنيا.
لما مات فجأة بعد أزمة قلبية، حسيت إن جزء مني اتدفن معاه.
في الفترة دي، كنت محتاجة جوزي يقف جنبي.
يسندني.
يطمنّي.
لكن الغريب إنه بقى بعيد عني أكتر من أي وقت فات.
كل ما أحاول أتكلم معاه كان يقولي إنه مشغول.
وكل ما أحتاجه جنبي كان يلاقي حجة ويخرج.
في الأول افتكرت إنه بيتعامل مع حزنه بطريقته.
خصوصًا إنه كان قريب من أبويا هو كمان.
لكن بعد أسابيع، بدأت ألاحظ حاجات غريبة.
مكالمات بتتقفل أول ما أدخل الأوضة.
رسائل بيتوتر لما يشوفني قريبة من تليفونه.
وخروج متكرر في أوقات مالهاش أي مبرر.
وفي يوم، كنت عند أمي بساعدها ترتب ورق أبويا القديم.
أختي ندى كانت هناك.
ولاحظت إن تليفونها رن.
أول ما بصت للشاشة، وشها اتغير بسرعة.
وقامت خرجت البلكونة وهي ماسكة الموبايل.
من غير ما أعرف ليه، قلبي انقبض.
بعدها بكام يوم، وأنا في البيت، سمعت رسالة صوتية جاية على تابلت كريم اللي كان سايبه مفتوح.
ما كنتش ناوية أتجسس.
لكن الاسم اللي ظهر قدامي خلاني أتجمد.
ندى.
أختي.
فتحت الرسالة.
وسمعت صوتها وهي بتقول
متقلقش... لسه ما قالتش حاجة.
في اللحظة دي حسيت إن الأرض بتميد بيا.
إيدي كانت بتترعش.
عقلي راح فورًا لأسوأ احتمال.
جوزي وأختي.
من ورايا.
وفي عز حزني على أبويا.
فضلت طول الليل أبكي وأفكر.
كل موقف بينهم.
كل نظرة.
كل مرة اتكلموا فيها.
وكل ما أفكر أكتر، الشك كان بيكبر.
لحد ما قررت أواجه الحقيقة.
تاني يوم، من غير ما أقول لحد، ركبت عربيتي ومشيت ورا كريم بعد ما خرج من الشغل.
فضلت أراقبه من بعيد.
لحد ما وقف قدام كافيه هادي في طرف المدينة.
ونزل.
وبعد عشر دقايق
وصلت ندى.
أختي.
نزلت من تاكسي وقعدت معاه على نفس الترابيزة.
ساعتها حسيت إن قلبي اتكسر للمرة التانية بعد وفاة أبويا.
لكن بدل ما أدخل وأعمل فضيحة
قررت أسمع الأول.
قربت بهدوء من المكان.
ووقفت ورا فاصل خشبي بين الترابيزات.
وفي اللحظة اللي سمعت فيها أول جملة
عرفت إني كنت فاهمة كل حاجة غلط.
لأن كريم قال بصوت منخفض
لازم نخلص الإجراءات قبل ما سارة تعرف... أنا خايف تتصدم.
ندى هزت رأسها وقالت
بس حقها تعرف الحقيقة. أبوها كان عايز كده.
اتجمدت مكاني.
أبويا؟
إيه علاقة أبويا بالموضوع؟
كريم طلع ظرف بني سميك من الشنطة وحطه قدامها.
وقال
المحامي أكد إن الوصية الأصلية موجودة جواه... ولو سارة شافتها دلوقتي وهي بالحالة دي ممكن تنهار.
بدأت دقات قلبي تعلى.
وصية؟
أبويا عمره ما قال إنه كتب وصية.
ندى مسحت دمعة من عينها وقالت
أنا لحد النهارده مش مستوعبة إنه كان مخبي السر ده السنين دي كلها.
في اللحظة دي ما قدرتش أستحمل أكتر.
خرجت من مكاني واتجهت ناحيتهم.
وشهم شحب أول ما شافوني.
صرخت
سر إيه؟ ووصية إيه؟ وإنتوا بتخبوا عني إيه؟
سكتوا للحظات.
وبعدين كريم مد إيده بالظرف ناحيتي وقال
كنا بنحاول نحميكي... مش نخدعك.
وأنا بترعش فتحت الظرف...
ولما شفت أول سطر مكتوب بخط أبويا...
عرفت إن حياتي كلها كانت على وشك تتغير فتحت الورقة وإيدي بتترعش.
أول سطر كان مكتوب بخط أبويا
لو سارة بتقرأ الرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة اللي خبيتها طول عمري.
حسيت إن نفسي اتقطع.
بصيت لكريم وندى.
الاتنين كانوا ساكتين.
وكأنهم مستنيين رد فعلي.
كملت قراءة.
يا بنتي... يمكن تكرهيني بعد الكلام ده، ويمكن تزعلي مني، لكني فضلت أخبي السر ده عشان أحميكي.
دموعي نزلت لوحدها.
وأنا بقلب الصفحة.
لكن قبل ما أكمل، لقيت صورة قديمة وقعت من الظرف.
صورة لرجل ما أعرفوش.
واقف جنب أمي وهي صغيرة جدًا.
اتجمدت.
لأن الراجل ده مش أبويا.
رفعت الصورة بسرعة.
وقلت
مين ده؟
ندى بصت بعيد.
أما كريم فقال بهدوء
كملي الرسالة.
رجعت للورقة.
وقرأت السطر اللي بعده.
الرجل اللي في الصورة هو والدك الحقيقي.
في اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
ما بقيتش سامعة صوت الناس حواليا.
ولا حتى صوت نفسي.
أنا؟
أبويا مش أبويا؟
إزاي؟
كملت وأنا بلهث.
الرجل اللي رباكي وأحبك طول عمره هو أبوكي بكل معنى الكلمة... لكن بيولوجيًا، والدك شخص آخر.
وقعت الرسالة من إيدي.
وبصيت لهم بصدمة.
إنتوا عرفتوا الكلام ده إمتى؟
ندى قالت وهي بتبكي
قبل وفاة بابا بأسبوع.
كريم كمل
استدعانا عند المحامي لوحدنا. وقال إنه مش عايزك تعرفي إلا بعد ما يعدي وقت على وفاته.
ليه؟
سألتها بصوت مكسور.
ندى قالت
لأنه كان خايف تخسري ذكرياتك معاه. كان عارف إنك بتحبيه أكتر من أي حد.
رجعت أبص للرسالة.
لكن كان فيه ظرف صغير مقفول بدبوس.
مكتوب عليه
لا يفتح إلا بعد معرفة الحقيقة.
فتحت الظرف.
ولقيت عنوان.
واسم.
ورقم تليفون.
وتحتهم جملة واحدة.
لو حبيتي تعرفي والدك الحقيقي... هتلاقيه هنا.
سكتت للحظات.
وبعدين بصيت للتاريخ المكتوب أسفل الورقة.
فات عليه شهرين بس.
يعني المعلومات حديثة.
يعني الرجل ده...
ممكن يكون عايش.
وممكن يكون مش بعيد عني.
لكن الصدمة الأكبر كانت لما قلبت الورقة الأخيرة.
لأن فيها تقرير تحريات كامل.
وصورة حديثة للرجل.
وأول ما شفت الصورة...
شهقت بقوة.
لأني كنت شفته قبل كده.
وشفته قريب جدًا.
لدرجة إنه كان واقف قدامي من أسبوعين بس...
في عزاء أبويا رجعت أبص للصورة مرة واتنين.
مفيش شك.
هو نفس الراجل.
نفس الشعر الأبيض الخفيف.
نفس النظارة.
ونفس النظرة الغريبة اللي كانت مثبتة عليّا طول وقت العزاء.
ساعتها افتكرت الموقف كله.
بعد ما الناس بدأت تمشي، الراجل ده قرب مني.
وقال جملة قصيرة جدًا
البقاء لله يا بنتي.
وقتها افتكرته واحد من معارف أبويا.
شكرته ومشيت.
لكن دلوقتي...
الجملة دي بقت ليها معنى تاني تمامًا.
رفعت عيني ناحية كريم.
وقلت بصوت متقطع
هو كان عارف إني بنته؟
كريم تنهد وقال
من اللي مكتوب في الملف... أيوة.
اتسعت عيني من الصدمة.
يعني كان واقف قدامي وهو عارف؟!
ندى هزت رأسها بحزن.
والأصعب من كده... إنه كان بيحاول يوصلك من سنين.
قلبي بدأ يدق بعنف.
وأنا أقلب باقي الأوراق.
كان فيه خطابات قديمة.
وصور.
ومستندات.
كلها بتقول إن الراجل ده حاول أكتر من مرة يعرف أخباري.
لكن في كل مرة كان أبويا يمنعه.
مش كرهًا فيه.
لكن خوفًا عليّا.
خوفًا من إن حياتي تتقلب.
في آخر الملف لقيت ورقة بخط أبويا.
سامحيني يا سارة لو أخفيت الحقيقة. لكن الرجل ده رجع يطلب يشوفك بعد غياب طويل، ولقيته نادم أشد الندم. وأنا قبل ما أموت، وعدته إني أسيبلك القرار.
دموعي نزلت بغزارة.
أبويا...
الرجل اللي رباني.
اللي سهر عليّا.
اللي علمني ومسك إيدي في كل خطوة.
هو أبويا الحقيقي مهما قالت الأوراق.
لكن فضولي كان بيقتلني.
مين الراجل ده؟
وليه اختفى كل السنين دي؟
وليه رجع فجأة؟
في النهاية أخدت الرقم.
ورجعت البيت.
طول الليل ما نمتش.
وفي الفجر تقريبًا...
مسكت التليفون.
واتصلت.
رنة.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين رد.
صوت رجل كبير في السن.
أول ما سمع نفسي...
سكت.
ثواني طويلة.
وبعدين سمعته بيبكي.
بيبكي بوضوح.
وقال بصوت مبحوح
سارة؟
اتجمدت.
ما عرفتش أرد.
لكنه كمل
استنيت المكالمة دي أكتر من تلاتين سنة.
وقبل ما أقول أي كلمة...
سمعته يصرخ فجأة بعيد عن السماعة
إقفل الباب بسرعة!
وبعدها جاء صوت ارتطام قوي.
وصوت تكسير.
ثم انقطع الخط تمامًا.
فضلت أبص للشاشة وأنا مش مستوعبة.
حاولت أتصل تاني.
التليفون مقفول.
مرة واتنين وعشرة.
مفيش فايدة.
وفي نفس اللحظة...
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن والدك الحقيقي... متروحيش للعنوان اللي معاكي.
وتحت الجملة مباشرة صورة حديثة.
صورة لبيتي.
وملتقطة من الشارع...
قبل دقائق فقط شهقت ورجعت خطوة لورا.
إيدي بدأت ترتعش وأنا مكبرة الصورة.
مفيش شك.
دي عربيتي.
وده باب بيتي.
والصورة متصورة من برة قبل دقائق فعلًا.
معنى كده إن اللي بعت الرسالة...
كان قريب مني.
قريب جدًا.
اتصلت بكريم فورًا.
رد بعد ثواني.
أول ما سمع صوتي عرف إن فيه حاجة غلط.
حكيتله كل
 

تم نسخ الرابط