اقتحمت شقه قدیمه

لمحة نيوز


الشرطيّ التفت نحوها فورًا.
ثم نظر إلى الطفلة.
ما اسمكِ يا حبيبتي؟
ارتبكت الصغيرة.
شعرتُ بيدها تتشبّث بي أكثر.
كأنّ الاسم نفسه صار شيئًا تخافه.
ظلّت صامتة للحظات
وفجأة تذكّرتُ الورقة التي رأيتها معلّقة خلف الباب الحديديّ داخل الشقّة.
الصورة نفسها
وأسفلها اسم مكتوب بخط واضح
ليان محمود الشاذلي.
خرج الاسم من فمي دون تفكير
أظنّ أنّ اسمها ليان محمود الشاذلي.
تجمّد الشرطيّ للحظة.
وكأنّ الاسم أيقظ شيئًا قديمًا في ذاكرته.
ثم نظر بسرعة إلى الطفلة.
اسمك ليان؟
ارتجفت الصغيرة
وبدت وكأنّها تحاول تذكّر شيء ضاع منها منذ زمن طويل.
ثم همست بصوتٍ ضعيف
أعتقد نعم.
أخرج الشرطيّ جهاز اللاسلكي بسرعة وبدأ يردّد الاسم.
ليان محمود الشاذلي.
ثوانٍ فقط
ثم تغيّر وجهه بالكامل.
رفع رأسه نحو المرأة ببطء.
وقال بحدّة مفاجئة
هذه الطفلة مبلّغ عن اختفائها منذ ثلاث سنوات.
تراجعت المرأة خطوة للخلف.
ثم حاولت الهرب فجأة.
لكنّ الشرطيّ الآخر أمسك بها وأسقطها أرضًا بعنف.
بدأت تصرخ وتسبّ وتقاوم كالمجنونة، بينما كانت الأمطار تضرب وجهها بقسوة.
أما ليان
فدفنت وجهها في صدري كأنّها تحاول الاختباء داخلي.
بعد دقائق قليلة
وصلت سيّارتا شرطة إضافيّتان.
وضجّ الشارع بالأصوات.
الجيران بدأوا يخرجون أخيرًا من النوافذ والأبواب.
كالعادة
لا يظهر الناس إلّا بعد انتهاء الخطر.
سمعتُ امرأة عجوز تتمتم
يا ساتر
كنا نظنّها ابنتها فعلًا.
وقال رجل آخر
البنت كانت تشحذ عند الجامع كل يوم.
كلّهم رأوها.
كلّهم مرّوا بجانبها.
ولا أحد سأل.
ولا أحد توقّف.
ولا أحد فكّر لماذا تبدو طفلة صغيرة مرعوبة دائمًا.
ذلك ما قتلني من الداخل.
ليس المرأة وحدها.
بل المدينة بأكملها.
مدينة تعلّمت كيف ترى الألم
ثم تدير وجهها بعيدًا.
اقترب منّي ضابط أكبر سنًّا.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وعيناه تحملان تعب سنوات طويلة.
نظر إلى ليان طويلًا.
ثم قال
أنت من وجدها؟
أومأت بصمت.
وكيف وصلت إليها؟
هنا فقط
عاد الواقع يصفعني بقسوة.
أنا لص.
دخلتُ الشقة لأسرق.
لو قلت الحقيقة
ربّما ينتهي بي الأمر في السجن.
شعرتُ بقلبى يخبط بعنف داخل صدري.
لكن قبل أن أجيب
رفعت ليان رأسها نحوي فجأة.
ثم قالت وهي تبكي
هو أنقذني.
نظر الضابط إليها.
ثم إليّ.
وصمت طويلًا.
وأخيرًا قال
سنأخذ أقوال الجميع في القسم.
في القسم
جلست ليان فوق كرسي صغير ملفوفة ببطانية رمادية.
كانت هناك شرطية تحاول تهدئتها بلطف، بينما بقيت الصغيرة ممسكة بطرف معطفي وكأنّها تخاف أن أختفي لو ابتعدت قليلًا.
أما أنا
فجلست وحدي في غرفة ضيّقة تفوح منها رائحة القهوة الباردة والسجائر.
مصباح أبيض قاسٍ فوق رأسي.
وطاولة معدنية قديمة أمامي.
كان الضابط يجلس مقابلي ويدوّن ملاحظاته بصمت.
اسمك؟
سالم.
تعمل ماذا؟
ابتسمتُ بسخرية مريرة.
ماذا أقول؟
لص؟
عاطل؟
رجل ضاع من نفسه منذ سنوات؟
قلت أخيرًا
أيّ شيء يجعلني آكل.
رفع الضابط عينيه نحوي لحظة.
ثم عاد للكتابة.
أين تسكن؟
لا مكان ثابت.
توقّف قلمه هذه المرّة.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
وماذا كنت تفعل قرب تلك الشقّة؟
جفّ حلقي.
شعرتُ بأنفاسي تثقل.
هذه اللحظة التي كنت أخشاها.
لو كذبت
ربّما يكتشفون الأمر لاحقًا.
ولو قلت الحقيقة
قد أعود إلى الزنزانة التي خرجتُ منها قبل عامين.
ظللتُ صامتًا للحظات.
ثم قلت بصوت منخفض
كنت سأسرقها.
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى صوت المطر بالخارج بدا أبعد فجأة.
الضابط ظلّ ينظر إليّ دون أيّ تعبير.
ثم قال بهدوء
لكنّك لم تفعل.
ضحكتُ بسخرية موجوعة.
يبدو أنّني فشلت حتى في السرقة.
ولأول مرة منذ بداية التحقيق
رأيته يبتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم أغلق الملفّ أمامه.
أحيانًا يفشل الإنسان في الشيء الخطأ فينجو.
لم أعرف لماذا
لكنّ الجملة ضربتني بقوّة.
بعد ساعة تقريبًا
دخل ضابط آخر يحمل ملفًّا قديمًا.
وضعه فوق الطاولة.
ثم فتحه ببطء.
كانت هناك
 صور كثيرة.
رجل أنيق يحمل طفلة صغيرة ويضحك.
امرأة محجّبة تقبّل خدّها.
غرفة مليئة بالألعاب.
عيد ميلاد.
حديقة.
عائلة كاملة.
ثم قال الضابط
والدها طبيب معروف.
اختُطفت من أمام مركز تجاري قبل ثلاث سنوات.
شعرتُ بقبضة تعتصر قلبي.
ثلاث سنوات كاملة
ثلاث سنوات وهي تُباع عند الإشارات وتُضرب وتُربط بالحبال.
بينما كانت عائلتها تبحث عنها في كل مكان.
أغمضتُ عينيّ للحظة.
ثم سألت
وهل أمّها ما زالت حيّة؟
نظر الضابط إليّ مطولًا.
ثم قال
دخلت مصحّة نفسيّة بعد اختفائها بعام.
شعرتُ بشيء ينكسر داخلي.
تخيّلت أمًّا تستيقظ كل صباح على غياب ابنتها.
تأكل وهي تتخيّلها جائعة.
وتنام وهي تتخيّلها تبكي في مكان مظلم.
بينما كانت ليان حيّة طوال الوقت
في شقة قذرة
تنتظر سندويشة فول.
مسحتُ وجهي بيدي المرتجفتين.
وفجأة
فُتح باب الغرفة بعنف.
التفتُّ بسرعة.
وكانت ليان تركض نحوي.
رمت نفسها في حضني فورًا.
وتشبّثت بي بقوّة.
قالت الشرطية خلفها باعتذار
رفضت أن تبقى بعيدًا عنه.
وضعتُ يدي فوق شعرها بصمت.
ثم سمعتها تهمس قرب أذني
أنت لن تتركني أليس كذلك؟
أغمضتُ عينيّ.
كنت رجلًا بلا بيت.
بلا مال.
بلا مستقبل.
لكنّ تلك الطفلة
وثقت بي أكثر من كلّ البشر الذين قابلتهم في حياتي.
قلت أخيرًا
لن أترككِ حتى تعودي إلى أمّكِ.
وقبل الفجر بقليل
وصل والداها.
لن أنسى ذلك المشهد ما حييت.
دخل الأب أولًا.
رجل في الخمسين تقريبًا.
ملامحه مرهقة وكأنّه لم ينم منذ سنوات.
ثم دخلت الأم خلفه.
كانت ترتجف بالكامل.
وجهها شاحب.
وعيناها غارقتان في بكاء قديم لم يتوقّف أبدًا.
كانت تلهث وكأنّ قلبها سيتوقّف.
ثم نادت بصوت مكسور
ليان؟
التفتت الطفلة نحو الصوت.
تجمّدت.
ساد صمت طويل داخل القسم كله.
حتى الضبّاط توقّفوا عن الحركة.
ثم بدأت ليان ترتجف فجأة.
وكأنّ الذكرى القديمة عادت دفعة واحدة.
خطت الأم خطوة مرتجفة نحوها وهي تبكي
أنا هنا يا حبيبتي
أنا ماما
وضعت ليان يدها فوق فمها.
ثم انفجرت بالبكاء.
أول بكاء حقيقي رأيته منها.
ليس بكاء خوف.
بل بكاء طفلة وجدت الطريق أخيرًا إلى المكان الذي تنتمي إليه.
ركضت الأم نحوها واحتضنتها بقوّة وهي تنهار بالكامل.
كانت تقبّل شعرها ويديها ووجهها بجنون.
وتكرّر وسط دموعها
سامحيني
سامحيني يا روحي
سامحيني لأنّي لم أجدكِ.
حتى الضبّاط ابتعدوا بصمت.
لا أحد استطاع الكلام.
أما الأب
فوقف مكانه للحظات كأنّه لا يصدق ما يراه.
ثم اقترب ببطء شديد.
ولمّا لمس شعر ابنته
انهار.
رجل بدا قويًّا طوال الوقت
سقط فجأة وهو يبكي كطفل صغير.
أما أنا
فوقفت بعيدًا أراقب المشهد.
وشعرتُ بشيء دافئ يتحرّك داخل صدري.
شيء لم أعرفه منذ زمن طويل.
السلام.
لأول مرة منذ سنوات
لم أشعر بالجوع.
ولا بالخوف.
ولا بالرغبة في الهرب.
ثم فجأة
تركت ليان حضن أمّها.
والتفتت نحوي.
ركضت بسرعة
وعانقتني بقوّة.
ثم قالت وهي تبكي
لا تذهب.
تجمّدتُ مكاني.
الأم نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع.
ثم اقتربت ببطء.
وقالت
أنت الذي أنقذتها؟
أخفضت رأسي بصمت.
لكنّها فاجأتني.
أمسكت يدي بكلتا يديها وقالت
لن أنسى هذا ما حييت.
شعرتُ بالخجل.
لأنّها لو عرفت الحقيقة
لو عرفت أنّني دخلت لأسرق
ربّما ما نظرت إليّ بهذه الطريقة.
لكنّ ليان أمسكت يدي فجأة وقالت
هو ليس شريرًا يا ماما
أنا عرفت من صوته.
وهنا فقط
لم أعد قادرًا على حبس دموعي.
مع شروق الشمس خرجتُ من القسم وحدي.
كانت السماء رمادية والشوارع شبه فارغة.
القاهرة تبدو مختلفة عند الفجر.
أهدأ وأكثر صدقًا.
مشيتُ بلا اتجاه يدي داخل جيبي ورأسي مثقل بأشياء كثيرة.
كنت أتوقّع أن أشعر بالراحة.
لكنّ شيئًا غريبًا كان يضغط فوق صدري.
كأنّني تركت جزءًا مني هناك.
سمعتُ صوت خطوات خلفي ثم صوتًا صغيرًا يناديني
عمّ سالم!
التفتُّ بسرعة.
كانت ليان تركض نحوي.
تمسك يد أمّها وحين وصلت
عانقتني فورًا.
ثم رفعت وجهها نحوي وقالت
أول مرة أخاف من الدنيا أقل
كانت معك.
شعرتُ بحلقي يضيق.
الأم اقتربت ببطء.
ثم قالت
أعرف أنّ الشكر لا يكفي لكن إن احتجت أي شيء يومًا تعال إلينا.
أومأت بصمت.
لأنّ الكلمات خانتني.
ثم انحنت ليان قليلًا وهمست
عندما أشفى أريد أن أراك أول شخص.
ابتسمتُ رغم الدموع.
ستشفين.
قالتها بثقة غريبة
أعرف.
ثم أمسكت أمّها يدها ورحلتا ببطء.
بقيتُ واقفًا أراقبهما حتى اختفتا ثم رفعتُ رأسي نحو السماء.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعرتُ أنّ الله معي.

تم نسخ الرابط