اقتحمت شقه قدیمه
التوتّر يمرّ سريعًا في عينيها.
ثم قالت بسرعة
اسمع أعطني البنت وخذ المال.
أخرجت رزمة نقود من حقيبتها.
كانت مبلّلة بالمطر.
خذها كلّها.
نظرتُ إلى المال.
ثم إلى الطفلة.
وتذكّرتُ نفسي قبل سنوات طويلة
حين باعني أبي مقابل ديونه.
نعم.
كان ذلك يحدث.
في الأحياء التي نشأنا فيها
الجوع يجعل البشر يبيعون كل شيء.
حتى أبناءهم.
شعرتُ بالغثيان.
ثم بصقت قرب قدميها وقلت
لو متُّ جوعًا لن أبيع طفلة.
تغيّرت ملامحها فورًا.
اختفى الهدوء من وجهها تمامًا.
وقالت بحدّة
إذًا ستموت بسببها.
وفي لحظة واحدة
أخرجت سكينًا صغيرة من تحت عباءتها.
دفعتُ الطفلة خلفي بسرعة.
تراجعت وهي تبكي بصمت.
المطر كان يزداد غزارة.
والشارع شبه خالٍ.
لا أحد يريد التدخّل.
فهذه المدينة تعلّمت أن تنظر بعيدًا.
انقضّت المرأة نحوي فجأة.
تفاديتُ الضربة بصعوبة.
واصطدمت يدها بالحائط الحجريّ بقوّة.
صرخت غاضبة.
ثم عادت تهاجمني بعنف.
كانت تتحرّك كإنسانة يائسة.
كذئبة تخشى خسارة فريستها الأخيرة.
أمسكتُ معصمها بكلّ ما أملك من قوّة.
سقطت السكين من يدها وارتطمت بالأرض.
لكنّها لم تتوقّف.
بدأت تضربني بأظافرها وتصرخ
لن تأخذها منّي!
هي ملكي!
تجمّدتُ للحظة عند تلك الكلمة.
ملكي.
هكذا كانت تراها.
شيئًا يُباع ويُشترى.
دفعتُها بعيدًا بقوّة فسقطت فوق الأرض المبلّلة.
وفي اللحظة نفسها
دوّى صوت صفّارة شرطة أقرب هذه المرّة.
التفتت المرأة بسرعة.
والرعب ظهر أخيرًا في عينيها.
أما أنا
فكنت أتنفّس بصعوبة، بينما الطفلة تختبئ خلف ظهري وترتجف.
وفي آخر الشارع
ظهرت أضواء سيارة الشرطة وسط المطر كأنّها تشقّ الظلام بسكينٍ بارد.
توقّفت السيارة عند أول الشارع، ونزل منها شرطيّان يركضان نحونا بسرعة، بينما كانت المرأة تحاول النهوض من فوق الأرض المبلّلة وهي تسبّ بعنف.
لكن قبل أن تهرب
صرخت الطفلة فجأة بصوتٍ مرتجف
هي التي كانت تضربني!
توقّفت المرأة مكانها.
كان الرعب قد ظهر أخيرًا في عينيها.
اقترب أحد الشرطيّين منها بسرعة، بينما اتّجه الآخر نحوي.
نظر إليّ بريبة.
رجل مبلّل بالمطر.
ثيابه رثّة.
وجهه مليء بالخدوش.
ويحمل طفلة تبكي.
قال بحدّة
ماذا يحدث هنا؟
فتحتُ فمي
لكنّ الطفلة سبقتني.
تشبّثت بمعطفي وهي تصرخ
لا تأخذوني معها!
أرجوكم لا تعيدوني إليها!
ساد صمت ثقيل للحظة.
ثم ركع الشرطيّ أمامها ببطء.
وصوته تغيّر تمامًا
اهدئي يا صغيرة لن يلمسكِ أحد.
لكنّها لم تتوقّف عن الارتجاف.
كانت تتنفّس بسرعة مرعبة، كأنّها تنتظر أن ينهال عليها الضرب في أيّ لحظة.
نظر الشرطيّ إليّ مجددًا.
مَن هذه المرأة؟
وقبل أن أجيب
صرخت المرأة بعصبيّة
هذه ابنتي!
ذلك الحقير خطفها من البيت!