التربيزة محجوزة
يوم بعد الضهر الساعة 4 في نفس الجنينة نفس الترابيزة بس بقينا 3 أنا وابني وهو وهو بقى يقعد على كرسي بعجل عشان تعب بس بييجي وابني بقى يرص القطع ويحط الحصان الخشب القديم أول قطعة ويقول الحركة دي تستاهل تفتكرها والراجل يضحك ويقول أيوه تستاهل
بس الحكاية مخلصتش هنا.. عشان تاني يوم لما روحنا الجنينة لقينا الترابيزة مقفولة.. عليها شريط أصفر بتاع الحي ومكتوب ممنوع الاقتراب أعمال صيانة
ابني وقف مصدوم.. ماسك علبة الشطرنج والحُصان الخشب القديم في جيبه.. وقال هما هيشيلوها؟
قلت له لا يا حبيبي هيصلحوها بس
الحارس جه يجري وقال الحي هيشيل كل الترابيزات الأسمنت دي وهيحط مكانها ترابيزات جديدة بلاستيك.. بيقولوا شكلها أحلى
ابني بص للترابيزة اللي بقاله 8 شهور بيلعب عليها مع الراجل.. الترابيزة اللي شافت جده من 35 سنة وهو بيلعب مع صاحبه.. الترابيزة اللي شافته هو وهو عنده 7 سنين بيتعلم الافتتاحية اللي جده كان نفسه يعلمها لأبوه.. وقال يعني ذكريات جدي هتتشال؟
الراجل اللي على الكرسي بعجل سكت.. وبعدين قال لا.. الذكريات مبتتشالش بترابيزة.. الذكريات بتتشال في الدماغ.. وفي الحصان اللي في جيبك
بس أنا شفت عينه بتلمع.. كأنه شاف حاجة بتتشال منه تاني.. أول مرة صاحبه مات من 30 سنة.. وتاني مرة لما ابني كان صغير وكان بيتعلم يركب العجلة أم 3 عجلات وهو واقف بعيد يتفرج ومش قادر يقرب.. وتالت مرة دلوقتي الترابيزة اللي مستني عليها 8 شهور هتتشال
روحت الحي تاني يوم الصبح.. ومعايا الصورة الباهتة بتاعة الشابين اللي قاعدين على نفس الترابيزة من 35 سنة.. ومعايا ابني والحُصان الخشب
دخلت للمهندس.. قلت له الترابيزة دي مش مجرد أسمنت.. دي بقالها 35 سنة.. اتنين صحاب كانوا بيلعبوا عليها.. واحد مات.. والتاني سافر أمريكا ورجع عنده 70 سنة عشان يستنى حفيد صاحبه ييجي يلعب عليها.. وابني بقاله 8 شهور بيتعلم عليها كل يوم الساعة 4.. مينفعش تشيلوها وتحطوا بلاستيك
المهندس بص للصورة.. وبص لابني وهو ماسك الحصان.. وقال يا مدام احنا عندنا أوامر
قلت له طب خليها.. صلحوها.. جددوها.. بس سيبوها مكانها.. سيبوا واحدة بس.. واحدة للذكرى
قال هحاول
رجعنا الجنينة بعد الضهر.. لقينا العمال جم.. ومعاهم مرزبة.. وابني مسك ايد الراجل العجوز جامد.. والراجل قال له متخافش.. لو شالوها هنلعب على الأرض.. جدك وأنا كنا بنلعب على الأرض لما الترابيزة كانت محجوزة.. الشطرنج مش ترابيزة.. الشطرنج ناس
العمال رفعوا المرزبة.. وضربوا أول ضربة.. وابني غمض عينه.. وأنا حضنته.. والراجل العجوز قال بصوت عالي أول مرة أسمعه بيزعق استنوا
الكل بص له.. هو على الكرسي بعجل.. وصوته طالع بالعافية.. بس قال الترابيزة دي محجوزة.. محجوزة باسمين من 35 سنة.. واسم تالت من 8 شهور.. مينفعش تتشال غير لما صاحبها يقول
المهندس جه.. وكان معاه تليفون.. وقال جات لنا تعليمات.. هنسيب ترابيزة واحدة.. دي.. هنرممها.. وهنكتب عليها لوحة.. أقدم ترابيزة شطرنج في الحي.. بقالها 35 سنة
ابني فتح عينه.. وجري حضن الترابيزة الأسمنت الساقعة.. كأنها بني آدم.. والراجل العجوز ضحك.. ضحكة كبيرة.. وكح جامد بعدها.. بس كان مبسوط
ومن يومها.. الترابيزة بقت مشهورة.. بقت الناس تيجي تصورها.. والعيال بقت تيجي تلعب عليها.. بس الساعة 4.. محدش بيقرب منها.. كله عارف إنها محجوزة.. محجوزة للولد أبو 7 سنين والراجل العجوز والحصان الخشب
وبعدها بأسبوع.. الراجل العجوز تعب تاني.. ودخل المستشفى.. بس المرة دي دخل العناية.. وأنا وابني روحنا.. لقيناه نايم.. وجنبه علبة خشب كبيرة.. مقفولة بقفل قديم
قال لي افتحيها
فتحتها.. لقيت جواها دفتر.. جلده بني.. مليان ورق أصفر.. كل صفحة فيها رسمة رقعة شطرنج.. وكل رسمة تحتها تاريخ.. 1988.. 1989.. 1990.. لحد 2025
قال ده دفتر أنا وجد ابنك.. كنا بنكتب فيه كل دور لعبناه على الترابيزة دي.. كل حركة.. كل غلطة.. كل حركة تستاهل تفتكرها.. 35 سنة شطرنج.. وفي آخر صفحة.. في دور ناقص.. الدور اللي مالحقناش نكمله لما هو تعب.. سيبته فاضي.. عشان ابنه يكمله.. وابنه مات.. فسيبته فاضي.. دلوقتي ابنك هيكمله
ابني مسك الدفتر.. وفتح آخر صفحة.. لقى رقعة مرسومة نصها فاضي.. وتحتها مكتوب الدور الأخير.. مستني اللي يكمله
الراجل قال لابني لما أكبرت وشفتك بتركب العجلة أم 3 عجلات.. عرفت إنك انت اللي هتكمله.. عشان انت بتمشي زي الحصان.. بطريقة محدش يتوقعها.. هادي بره.. بس جواك بتحسب كل حاجة
ابني قال طب نكمله دلوقتي؟
الراجل قال لا.. لما تبقى 10 سنين.. لما تبقى قد أبوك لما اتعلم.. دلوقتي اتعلم.. وبكرة كمل
وخرجنا من المستشفى.. والدفتر معانا.. وكل يوم.. ابني بقى يفتح الدفتر.. ويذاكر دور قديم.. ويروح الجنينة يطبقه على الترابيزة.. والراجل يصلح له.. ويقول له دي كان جدك لعبها غلط سنة 89.. ودي أنا لعبتها صح سنة 91.. ودي الحركة اللي تستاهل تفتكرها
وبعد 3 شهور.. الحي عمل احتفال صغير.. جابوا لوحة نحاس.. وكتبوا عليها ترابيزة الصداقة.. هنا لعب صديقان كل يوم لمدة 10 سنين.. وهنا تعلم حفيدهما اللعبة.. الشطرنج مش لعبة.. الشطرنج وعد بيتسلم من جيل لجيل
وحطوا اللوحة على الترابيزة الأسمنت.. وابني هو اللي قص الشريط.. والراجل العجوز كان جنبه على الكرسي بعجل.. بيصقف بالعافية.. وبيعيط.. وأمي بتعيط.. وأنا بعيط.. والحارس بيعيط.. حتى المهندس بتاع الحي كان بيعيط
وبالليل.. لما روحنا.. ابني قال لي
ماما هو ليه استناني 8 شهور؟ ليه مقاليش من أول يوم إنه صاحب جدي؟
قلت له عشان كان عايزك تحبه هو.. مش تحب حكاية جده.. كان عايزك تيجي عشان بتحب الشطرنج.. مش عشان بتحب تسمع حواديت.. ولما حبيت الشطرنج.. قالك الحكاية.. عشان تفهم إن كل حركة بتعملها على الترابيزة دي.. وراها 35 سنة حب
ابني حضن الحصان الخشب ونام.. وساب الدفتر مفتوح على آخر صفحة.. الصفحة الفاضية اللي مكتوب عليها الدور الأخير.. مستني اللي يكمله
وأنا بصيت عليه وهو نايم.. وفهمت.. إن الراجل مكنش قاعد في الجنينة صدفة.. ولا كان وحيد.. كان مستني.. مستني وعد قطعه لصاحبه من 35 سنة.. وعد إن لو خلف ولد.. هيعلمه الافتتاحية اللي كان نفسه يعلمها لابنه.. وصاحبه مات.. وابنه مات.. بس الحفيد جه.. جه لوحده.. حط علبة الشطرنج على الترابيزة.. وقال تحب تلعب؟.. ومن غير ما يعرف.. كان بيكمل وعد بقاله 35 سنة مستني حد يكمله
والجواب الأبيض اللي كان فيه كام سطر بس وخلاني أنسى أتنفس؟ لسه معايا.. شايلاه في نفس العلبة الخشب اللي فيها الحصان.. وكل ما أروح الجنينة الساعة 4 وأشوف ابني قاعد على الترابيزة الأسمنت القديمة مع الراجل العجوز.. بفتكر أول يوم لما الترابيزة كانت فاضية والحارس اداني الجواب وقال الراجل سابه الصبح وكان قايل بالتحديد انتي اللي لازم تاخديه.. وبفهم إن فيه ناس بتمشي.. بس بتسيب حصان خشب ودفتر أصفر وترابيزة أسمنت.. عشان اللي جاي بعدهم يكمل الدور