نوايا مسمومة حكايات مني السيد حصري
وهوانم النادي هيحصل فيه إيه لما اسمك ينزل في المحاضر بتهمة التحريض على القتل والحرق؟
حماتي رجعت خطوة لورا، ورجليها مكنتش شايلاها. قعدت على الكرسي تاني وهي بترتعش. أصحابها بدأوا يلموا شنطهم بسرعة. طنط ميرفت وقفت وقالت بنبرة متعالية ومقروصة
معلش يا سعاد.. إحنا شكلنا جينا في وقت مش مناسب. إحنا هنمشي ونبقى نكلمك في التليفون.
استنوا بس يا ميرفت.. استني يا شهيرة! حماتي كانت بتنادي عليهم وصوتها مخنوق، بس هما مشيوا بسرعة كأنهم بيهربوا من مصيبة.
المكان فضي
علينا؛ أنا ومحمد، وحماتي وندى. محمد سند بإيديه الاتنين على الترابيزة وبص لأمه بغضب عميق
ليه يا ماما؟ ليه؟ أنا مضيت على الورق اللي هما عايزينه وخلاص، وبقيت شريك في الملايين اللي كنتِ هتموتي عليها. كنتِ عايزة تأذيها وتأذي أمها ليه؟ إيه الغل اللي جواكي ده؟
حماتي رفعت راسها، وفجأة النظرة الانكسار اختفت، وظل مكانها نظرة شر حقيقية. زعقت في محمد وهي بتعيط من الغل
عشان كسرتني! عشان حتة بت من شبرا، أمها بتبيع أكل للناس، تخليني أقف أترعش في بيتها! وتجيب لي محامي يذلنا، وتخليك تمضي على إقرار بخمسة مليون جنيه يوديك السجن! إنت مضيت على حبل المشنقة بتاعتك يا غبي! أنا كنت عايزة أكسر مناخيرها وأخد العقد الأصلي من بيتها عشان أحميك وأحمق حقنا! البيت ده هيتهد وهيطلع مكانه ملايين، وهي وأمها ميتستاهلوش الملايين دي! إحنا أولى بيها!
إحنا مش أولى بحاجة مش بتاعتنا! محمد زعق والفلوس اللي تيجي بالدم والحرق، أنا مش عايزها! من اللحظة دي يا ماما، أنا ماليش دعوة بيكي ولا بالبيت ده، ولا بالفلوس دي كلها. أنا هعيش مع مراتي في شبرا، وهشتغل بلقمتي، والورق اللي أنا مضيت عليه هو الضمان الوحيد إنك مش هتقدري تلمسي شعرة من فاطمة أو أمها، لأن لو حصلهم أي حاجة، أول واحد هيشيل الليلة وهيروح في داهية هو أنا.. وإنتِ طبعاً مش هترضي ابنك الحبيبي يتسجن، صح؟
حماتي حطت إيدها على قلبها وصوتها بدأ يروح
إنت.. إنت بتبيع أمك عشانها يا محمد؟
أنا بشتري نفسي يا ماما. بشتري الراجل اللي جوايا اللي إنتِ دمرتيه بالمظاهر الكدابة والفشخرة على الفاضي.
محمد مسك إيدي وقال بصوت حازم
يلا يا فاطمة.
مشينا وسبناهم في النادي، ورايا كانت حماتي بتصرخ وندى بتحاول تهديها، بس أنا مابصيتش ورايا. لما ركبنا العربية، محمد سكت شوية، وبعدين بصلي وقال
فاطمة.. أنا أسف. أسف على كل حاجة. على يوم العزومة، وعلى طمعي، وعلى اللي أمي حاولت تعمله. أنا هصلح كل حاجة، والله هصلحها.
بصيت له وهزيت راسي
التصليح مش بالكلام يا محمد. التصليح بالفعل. إحنا لازم نأمن البيت فوراً قبل ما الواد البلطجي ده يعمل حاجة.
متخافيش، أنا عارف هنتعامل معاه إزاي.
رجعنا شبرا، بس المرة دي محمد موقفش العربية تحت البيت. راح ناحية القهوة الكبيرة اللي في أول الشارع، ونزل، وسأل على كبير المنطقة، راجل عجوز ومحترم اسمه الحاج عاشور، الكل بيعمله ألف حساب ومحدش من العيال الصايعة يقدر يكسر له كلمة. قعد محمد معاه وحكاله الموضوع من طقطق لسلامو عليكم، وقاله إن في عيال غريبة بتلف حوالين بيت الحاجة سعاد وعايزين يعملوا مشكلة.
الحاج عاشور هز راسه وهو بيشرب الشيشة وقال بصوت رخيم
عيب يا ابني.. بيت الحاجة سعاد ده بيت غالي علينا كلنا، والراجل الله يرحمه وال د فاطمة كان أخونا. مفيش كلب يقدر يقرب من البيت وطالما أنا عايش في المنطقة. الواد سيد كابو ده أنا هجيبه وأربيه وأخليه يقر بمين اللي وزّه، والورق بتاعه هيبقى تحت إيدنا. روحوا انتوا ارتاحوا، والمنطقة كلها عينها على بيتكوا.
كلام الحاج عاشور ريح قلوبنا شوية. طلعنا الشقة، أمي استقبلتنا بالدموع والحضن لما عرفت إن محمد وقف وقفة رجالة في النادي. قعدنا كلنا، ومحمد طلب من أمي تسامحه، وأمي بطيبتها قتلت الغل اللي جواه وقالتله مسامحاك يا بني، طالما صنت بنتي ووقفت في ظهرها، إنت بقيت ابني خلاص.
عدى يومين، والوضع كان هادي، بس هدوء ما قبل العاصفة. محمد مكانش بينام، كان دايماً باصص من الشباك بيراقب الشارع. وفي ليلة يوم الجمعة، الساعة كانت حوالي اتنين بالليل، والمنطقة كلها سكتت.
فجأة، سمعنا صوت حركة غريبة في المنور بتاع البيت. صوت خربشة وخطوات مكتومة.
محمد قام من السرير زي الفهد، مطلعش صوت. جرى على المطبخ جاب عصاية غليظة، وأنا قمت وراه وجبت سكين المطبخ الكبيرة. أمي صحت ووقفت تدعي في الصالة بصوت واطي.
محمد قرب من باب الشقة وبص من العين السحرية، ملقاش حاجة، بس الصوت كان جاي من شباك المطبخ اللي بيطل على المنور. قربنا بالراحة.. وبصينا.
كان في خيال راجل، ماسك في إيده جركن صغير، وبيحاول يفتح سلك الشباك عشان يدلق اللي جوة الجركن في المطبخ! ريحة بنزين بدأت تفوح في المكان!
محمد مفيش لحظة تردد. فتح الشباك فجأة وبكل قوته، ونزل بالعصاية على إيد الراجل اللي صرخ صرخة كتمها بسرعة. الجركن وقع في المنور وعمل دوشة كبيرة. محمد مسك الراجل من هدومه وشده من الشباك لجوه المطبخ!
الراجل كان واد صغير، وشه مليان جروح، وهو ده سيد كابو! قعد في الأرض وهو ماسك إيده اللي انكسرت وبيصرخ بصوت مكتوم
آه.. إيدي! سيبوني.. أنا ماليش ذنب!
محمد نزل فوقه ضرب وبقى بيزعق
مملكش ذنب إزاي يا روح أمك؟! جاي تولع في بيتنا وبتقول ماليش ذنب؟! مين اللي بعتك؟ انطق بدل ما أدفنك هنا ومحدش هيعرفلك طريق!
الواد كان مرعوب، وبصلي وبص لمحمد وقال وهو بيعيط
الست الكبيرة! الست الكبيرة وأ بنتها اللي من مصر الجديدة! هما اللي جولي وأدوني ألفين جنيه عربون وقالت لي ولّع في المطبخ وسيب البنزين يشتغل! وقالت لي لو جبت العقد الأصلي من جوة هتديني عشرين ألف جنيه!
والله العظيم أنا غلبان ومشفتش فلوس قبل كدا وهما اللي وزوني!
أنا مسكت موبايلي وبدأت أسجل فيديو للواد وهو بيعترف بكل كلمة بالصوت والصورة.
كمل يا روح أمك قُلتها وأنا مقربة الموبايل من وش اسم الست إيه؟ وقالت لك إيه بالظبط؟
اسمها سعاد! وبنتها اسمها ندى! ومعايا رقم تليفون البت أهو على تليفوني، هي اللي كانت بتكلمني وتوصفلي الشارع والبيت! خدو التليفون أهو بس سيبوني أمشي!
أنا ومحمد بصينا لبعض. الاعتراف ده بالفيديو، ومعاه تليفون الواد والرسايل اللي بينه وبين ندى، كانت هي القنبلة الموقوتة اللي هتهد عيلة محمد فوق دماغهم.
في الوقت ده، الباب خبط بقوة. محمد فتح، ولقينا الحاج عاشور ومعه ثلاثة من رجالة الشارع الشداد، كانوا صاحيين على صوت الدوشة. دخلوا وشافوا الواد والجركن البنزين اللي في المنور.
الحاج عاشور بص للواد بقرف وقال
وقعت في شير أعمالك يا واد يا صايع. خده يا واد منك له على القهوة، واقفلوا عليه لحد الصبح، والصبح المحامي بتاع الأستاذة فاطمة ييجي ونعمل المحضر بالدليل والبرهان.
الرجالة خدوا الواد ونزلوا، ومحمد قفل الباب وقعد في الأرض وهو حاطط راسه بين ركابه، كان بيبكي.. بيبكي على أمه اللي وصلت للمرحلة دي من الإجرام، وعلى الغدر اللي كان عايش فيه وهو مش داري.
قعدت جنبه، وحطيت إيدي على كتفه
خلاص يا محمد.. الموضوع انتهى. أمك وأختك كتبوا نهايتهم بإيديهم.
هنعمل إيه بالتحقيق والفيديو ده يا فاطمة؟ هتحبسيهم؟ سألني وعينيه مليانة رجاء مكسور، مهما كان دي أمه وأخته.
بصيت له وقولت بنبرة حاسمة
السجن قليل عليهم يا محمد. أنا مش هحبسهم عشان خاطرك إنت، وعشان خاطر اسمك اللي شايلينه. بس الفيديو ده والتليفون ده هيفضلوا السيف اللي على رقبتهم. من بكرة الصبح، أستاذ رأفت هيتصل بيهم، وهيطلب منهم حاجة واحدة بس.. التنازل عن شقة مصر الجديدة وعن كل ممتلكاتهم باسمي وباسمك، كنوع من التعويض عن المحاولة دي، وإلا الفيديو ده والرسايل هيروحوا للنيابة، وساعتها الفضيحة هتبقى بجلاجل والسجن مش هيمشي أقل من عشر سنين للأم والبنت بتهمة التحريض على جناية حرق وقتل عمد.
محمد هز راسه بالموافقة
موافق يا فاطمة.. موافق. هما يستاهلوا أكتر من كدا.
تاني يوم الصبح، أستاذ رأفت جيه ومعاه الورق كله، وكلم ندى على التليفون. ندى أول ما سمعت صوت المحامي وعرفت إن الواد اتمسك واعترف ومعانا تليفونه والرسايل، صرخت على الناحية التانية من الخط وبدأت تعيط وتتوسل
لاء يا متر! أبوس إيدك بلاش البوليس! ماما هتموت فيها، وأنا مستقبلي هيضيع! إحنا هنعمل كل اللي انتوا عايزينه!
خلاص أستاذ رأفت قال ببرود تجولنا بكرة الصبح في المكتب، وإنتِ ومامتك تمضوا على تنازل نهائي وشامل عن شقة مصر الجديدة بكل اللي فيها للأستاذ محمد وللمدام فاطمة، وتكتبوا تعهد بعدم التعرض، وساعتها بس هنقفل القضية والسر هيفضل مدفون.
يوم السبت الصبح، كنا قاعدين في مكتب أستاذ رأفت. الباب فتح ودخلت حماتي وندى. شكلهم كان يقطع القلب؛ الوشوش شاحبة، العينين مكسورة، ومفيش أثر للهوانم بتوع النادي ومصر الجديدة. كانوا زي الفراخ اللي مستنية الدبح.
حماتي بصتلي بنظرة كلها غل وحقد، بس كان غل عاجز، غل ملهوش أنياب. قعدت على الكرسي ومنطقتش بكلمة. أستاذ رأفت حط ورق التنازل قدامهم.
امضوا هنا يا هوانم أستاذ رأفت قالها وهو بيشير بالقلم.
ندى مضت وهي بتعيط، وحماتي مسكت القلم وإيدها بترتعش، وبصت لمحمد وقالت بصوت هسيس
بعتني يا محمد؟ بعت أمك عشان الفلوس والبت دي؟
محمد مابصش في عينها، رد وهو باصص للشباك
إنتِ اللي بعتيني يا ماما لما فكرتي تحرقي بيتي ومراتي. إنتِ اللي اختارتِ الفلوس والمظاهر، وأنا اخترت أكون راجل. امضي يا ماما وخلينا نقفل الصفحة دي عشان نعيش في سلام.
حماتي مضت وبصمت، ورزعت القلم على المكتب. وقفت وبصتلي وقالت
خدتي الشقة وخدتي الفلوس وخدتي ابني يا فاطمة.. ارتحتي كدا؟
وقفت أنا بكل كبرياء، وظبطت طرحتي، وقولت لها بنبرة خلت جسمها يقشعر
أنا مخدتش حاجة مش بتاعتي يا سعاد هانم. أنا حميت بيتي وأمي، والشقة والفلوس دول تمن الخوف والرعب اللي عيشتهولنا. وابنك مخدتوش منك، ابنك هو اللي عرف فين الأصول وفين طريق الرجوع. تقدري تمشي دلوقتي، ومصر الجديدة لسه واسعة، بس من غير المنظرة الكدابة بتاعتك.
خرجوا من المكتب وهم بيجروا رجليهم وراهم، والنهاية بتاعتهم كانت أشد من السجن؛ الكسرة والفضيحة وقلة القيمة قدام نفسهم وقدام الناس.
التفت لمحمد وأستاذ رأفت، وحسيت إن جبل كان على صدري وانزاح. محمد مسك إيدي وقال
كده خلاص يا فاطمة؟ كل حاجة خلصت؟
ابتسمت وقولتله
كدا الجزء الصعب خلص يا محمد.. بس الحكاية لسه بتبدأ. شركة المقاولات كلمت أستاذ رأفت والتعويض بتاع بيت شبرا هيجهز الأسبوع الجاي. الملايين جاية، والشقة في مصر الجديدة بقت بتاعتنا.. بس إحنا مش هنعيش هناك علطول. إحنا هنبني حياتنا هنا وهناك، والأصول اللي اتعلمتها في شبرا، هعيش بيها طول عمري.
محمد ابتسم وضغط على إيدي، وأنا بصيت من شباك المكتب على شمس القاهرة وهي طالعة، وحسيت إن بنت شبرا قدرت تلم شمل حياتها وتثبت إن الحق دايماً صوته أعلى، مهما كان الغدر لابس ثوب هوانم.
بس وأنا بفكر في المستقبل، وفي الفلوس الكتير اللي جاية، وفي الشراكة اللي بيني وبين محمد،
رن تليفوني برقم غريب.. رقم من شركة المقاولات الكبيرة. فتحت الخط، وجاني صوت راجل بيتكلم بنبرة جادة ومخيفة
ألو.. المدام فاطمة معايا؟
أيوة أنا، مين معاي؟
أنا المهندس شريف، المدير التنفيذي لشركة التطوير. أنا أسف إني بكلمك في الوقت ده، بس في حاجة خطيرة جداً اكتشفناها في أوراق ملكية الأرض والبيت بتاعكم في شبرا.. حاجة هتقلب الموضوع كله، ولازم تقابليني فوراً قبل ما التعويض يقف والشرطة تتدخل!
الخط قطع فجأة.. وبصيت للتليفون والصدمة رجعت لوشي تاني. التفت لمحمد وأنا مش قادرة أنطق.. الحكاية مخلصتش، واللي جاي شكله أخطر بكتير من طمع حماتي وبلطجة العيال الصايعة!
الجزء الخامس والأخير
الخط قطع، وفضلت واقفة والتليفون على ودني، وسامعة صوت الصفارة المتقطعة اللي بتعلن إن المكالمة انتهت. الغرفة كلها لفت بيا، وحسيت إن النفس هرب مني تاني. محمد لاحظ وشي اللي اتقلب في ثانية، قرب عليا ومسكني من كتفي في إيه يا فاطمة؟ مين اللي كان بيكلمك؟ وشك جاب ألوان ليه كدا؟
بصيت له وأنا بحاول أجمع الحروف في بوقي ده.. ده المهندس شريف، المدير التنفيذي لشركة المقاولات والتطوير. بيقول إن في مصيبة في ورق البيت، وإن التعويض ممكن يقف والشرطة تتدخل! وعايزني أقابله حالاً!
محمد برّق عينه وبص لأستاذ رأفت اللي كان لسه بيلم ورقه في الشنطة. أستاذ رأفت استغرب جداً، ونزل نظارته وقال مصيبة إيه يا بنتي؟ أنا مراجع ورق البيت بنفسي حتة حتة، العقد مسجل شهر عقاري من أيام والدك الله يرحمه، ومفيش فيه ثغرة واحدة! الراجل ده تلاقيه بيلعب بأعصابكم عشان يقلل قيمة التعويض. هاتِ الرقم ده كدا.
أستاذ رأفت أخد التليفون وطلب الرقم تاني، بس الخط كان بيدي غير متاح. المحامي فكر شوية وقال مفيش فاصل.. إحنا مش هنقعد نضرب الودع. هو قالك تقابليه فين؟ قال لي في مقر الشركة الرئيسي اللي في الدقي، وقال لازم أروح فوراً قبل ما الإجراءات الرسمية تتحول للنيابة.
محمد شد مفاتيح العربية وقال بعزم ما فيه يلا بينا على الدقي. طول ما إحنا صح والورق في إيدنا، مفيش مخلوق يقدر يلوي دراعنا. أنا معاكي يا فاطمة ومستحيل هسيبك.
خرجنا من مكتب المحامي وركبنا العربية، وأستاذ رأفت جه معانا عشان يكون غطاء قانوني لينا لو في أي حوار. الطريق من وسط البلد للدقي مخدش ربع ساعة، بس الربع ساعة دي مرت عليا كأنها سنة. كنت ببص على محمد وهو سايق ومركز في الطريق، وجوايا سؤال بياكل في عقلي يا ترى يا أبويا، إنت شايل لي إيه تاني في البيت ده؟ وإيه السر اللي ممكن يوقف تعويض بملايين ويجيب الشرطة لحد عندنا؟
وصلنا مقر الشركة؛ مبنى ضخم كله زجاج، والأنوار فيه كانت قوية وتشرح القلب، بس أنا كنت حاسة إني داخلة غرفة تحقيق. طلعنا الدور الخامس، ودخلنا مكتب المهندس شريف. راجل في الأربعينات، لابس بدلة شيك جداً، وملامحه كانت جادة ومبين عليها القلق. أول ما شافنا، وقف ورحب بينا بسرعة وقعدنا.
أهلاً يا مدام فاطمة، أهلاً يا أستاذ محمد، سيادة المتر المهندس شريف قال وهو بيفرك إيده بتوتر أنا أسف إني جرجرتكم في الوقت ده، بس الموضوع مكنش يستحمل دقيقة تأخير.
أستاذ رأفت دخل في الموضوع على طول ونبرته كانت حاسمة خير يا باشمهندس؟ إيه الحكاية بالظبط؟ أنا المحامي الموكل عن المدام، وورق البيت مسجل وسليم مية في المية من تلاتين سنة! إيه بقا حكاية الشرطة والنيابة دي؟
المهندس شريف تنهد، وفتح درج المكتب وطلع منه خريطة هندسية قديمة، ومعاها دفتر كبير مجلد بالجلد الأسود مكتوب عليه سجلات المساحة والملكيات القديمة حي شبرا. حط الخريطة قدامنا وشاور بالقلم على مربع أحمر العقد بتاعكم سليم قانونياً يا فندم، ومحدش ينكر ملكيتكم للبيت ولا للأرض الحالية. المصيبة مش في العقد.. المصيبة في الماضي بتاع الأرض دي.
ماضي إيه؟ أنا سألت وصوتي بيترعش.
لما بدأنا نعمل مجسات للتربة ونراجع خطوط التنظيم القديمة من سنة ١٩٥٠ عشان نربط الأبراج الجديدة بالممشى التجاري، اكتشفنا إن الأرض اللي مبني عليها بيتكوا، والجزء الأكبر من الناصية الحيوية دي، كانت أصلاً ملك لجمعية خيرية قديمة تابعة للأوقاف من أيام الملكية! والجمعية دي كانت مشهرة ك وقف خيري لرعاية الأيتام، والأرض دي مكنش ينفع تتباع ولا تشترى بعقود مسجلة للأفراد من الأصل!
أستاذ رأفت وقف من على الكرسي مذهول إنت بتقول إيه يا باشمهندس؟! الأرض دي الحاج عبد الحميد، والد فاطمة، شاريها بعقد رسمي من مجلس المدينة سنة ١٩٨٢، وباني عليها البيت ومرخصه! إزاي تقول وقف؟
يا فندم اسمعني المهندس شريف كمل وهو بيفتح الدفتر الأسود في سنة ١٩٨٠، حصل تلاعب وتزوير في دفاتر المساحة والحي من موظفين قدام، وشالوا صفة الوقف عن الأرض دي عشان تتباع لقطع صغيرة للأهالي بأسعار رخيصة. والد المدام شاري على نية بيضاء وميعرفش حاجة، ودفع فلوسه وشقاه كله في الأرض دي.. بس القانون مبيرحمش. وزارة الأوقاف لما عرفت بمشروع الأبراج الخيالي ده، بدأت تنبش ورا الأراضي، ورفعت دعوى قضائية مستعجلة بفسخ جميع العقود اللي تمت على الأرض دي واستردادها كأملاك وقف! يعني ببساطة.. الأرض والبيت ممكن يرجعوا للأوقاف، والتعويض بتاعكم يتجمد، لا بل وممكن تتدخلوا كأطراف في قضية تزوير قديمة لو ملقيناش حل سريع!
الدنيا اسودت في عيني. الملايين اللي كنا بنحلم بيها، والبيت اللي أمي شقيت فيه، طلع مبني على أرض فيها حوار وتزوير من قبل ما أنا أتولد! بصيت لمحمد، لقيت الصدمة واكلاه، بس المرة دي مكنش باصص بطمع، كان باصص بخوف حقيقي عليا وعلى أمي.
أستاذ رأفت قعد تاني وهو بيمسح عرق جبينه طب والحل يا باشمهندس؟ الشركة بتاعتكم دافعة ملايين ومستحيل هتسيب المشروع يقف عشان قضية وقف. أكيد في ثغرة أو مخرج قانوني.
المهندس شريف قرب مننا وقال بصوت واطي الحل عندي، وعشان كدا أنا كلمتكم قبل ما وزارة الأوقاف تبعت الإعلان الرسمي للحي وتوقف كل حاجة. الشركة عندنا مش عايزة شوشرة، والناصية بتاعتكم هي أساس المشروع كله. في قانون جديد نزل بيسمح ب استبدال الوقف أو دفع قيمته النقدية لوزارة الأوقاف عشان الأرض تتبدل بصفة ملكية حرة نهائية. القيمة دي واصلة لاتنين مليون جنيه.
اتنين مليون جنيه؟! محمد زعق وإحنا هنجيب مبلغ زي ده منين دلوقتي؟ إحنا كل اللي حيلتنا هو البيت والشقة الإيجار!
الشركة هتدفع المبلغ ده نيابة عنكم يا أستاذ محمد المهندس شريف قالها بسرعة وهو بيطلع عقد جديد من درج مكتبه الشركة هتدفع الاتنين مليون للأوقاف وتخلص القضية وتسوي الورق بالملي، بشرط واحد.. إن قيمة المبلغ ده تتخصم من التعويض الإجمالي بتاعكم، والباقي من التعويضاللي هو تلاتة مليون جنيه وشقتين ومحل في الأبراج الجديدة يفضل بتاعكم وتاخدوه بعقد