حماتى حاولت تقتلنى
لسه عايشة...
مش هتتردد تقتل أحمد كمان.
قفلت المكالمة...
من غير ما تنطق حرف.
بصت لإبراهيم وقالت
مريم عبد الحميد ماتت.
وسكتت لحظة.
ثم أكملت
لحد ما ألاقي دليل يدينهم... أنا هعيش كأني شبح.
مرت الشهور.
واستخبت مريم في بيت خشبي صغير وسط الغابات بعيد عن أي حد.
ولما جه موعد الولادة...
العاصفة قطعت الطرق كلها.
لا مستشفى.
ولا دكتور.
ولا تخدير.
ولا إسعاف.
إبراهيم والحاجة نادية عملوا كل اللي يقدروا عليه.
غَلّوا الميه.
طلعوا شنطة إسعافات عسكرية قديمة.
وبدأت أصعب ليلة في حياة مريم.
ساعات طويلة من الألم...
لحد ما أخيرًا...
دوى صوت بكاء طفل صغير داخل الكوخ.
الكل ابتسم.
مريم ضمت طفلها لصدرها وهي بتعيط.
بسته في جبينه وقالت
هسميك... عمر.
ثم همست
وأوعدك... هييجي اليوم اللي تعرف فيه أبوك.
مرت خمس سنين.
عمر كبر بعيد عن القاهرة.
كانوا عايشين في عزلة كاملة.
مريم كانت بتزرع الخضار عشان يأكلوا.
وتشتغل أي شغل بسيط يجيب لهم رزق.
وتعلم عمر بنفسها باستخدام كتب مستعملة كانت بتجيبها من القرى المجاورة.
كل ليلة تقريبًا...
كان الطفل يسألها
ليه أنا مش بلعب مع باقي الأطفال؟
ليه إحنا مستخبيين؟
كانت تبتسم بحزن...
وتقول
هييجي يوم وتفهم كل حاجة.
في الناحية التانية...
كانت سهير بتحول ملايين الجنيهات اللي سرقتها لإمبراطورية عقارية ضخمة.
بقت تظهر في البرامج.
وتحكي عن مأساة مرات ابنها.
وتقدم نفسها قدام الناس على إنها أحن حما في الدنيا.
أما أحمد...
فعمره ما تجاوز اللي حصل.
رفض يتجوز بنت رجل الأعمال اللي أمه كانت عايزة تجوزهاله.
ولما ضغطت عليه مرة وقالت
الميت عمره ما بيرجع.
وقف قدام الناس كلها.
وقال لها
لو سمعتي اسم مراتي على لسانك تاني... اعتبريني فقدتِ ابنك للأبد.
ومن يومها...
قطع علاقته بأمه.
وبطل يشرب.
ورجع يخدم في الجيش بكل قوته.
لكن قضية اختفاء مريم...
ما خرجتش من دماغه لحظة.
كان كل فترة يرجع يراجع الملف من أوله.
لحد ما...
اكتشف حاجة غريبة.
كان في حلق من حلقان مريم لقوه وقتها في المكان اللي قالوا إنها ماتت فيه.
أحمد أخده بنفسه.
ولاحظ إن فيه طين أحمر عالق في الجزء المعدني.
بعت العينة لمعمل القوات المسلحة.
وبعد أيام...
جاله التقرير.
الطين ده فيه بقايا حجر بركاني أحمر.
وده نوع تربة...
مش موجود أصلًا في المكان اللي قالوا إنها ماتت فيه.
لكنه موجود بكثرة...
في محجر قديم ناحية طريق الجبل.
ساعتها...
أحمد فهم.
مسرح الجريمة كله كان مزور.
بعدها بأيام قليلة...
قدر يلتقط مكالمة بين رجال تابعين لسهير.
كانوا بيتكلموا عن راجل عجوز...
وطفل صغير مستخبيين داخل شقة في مدينة السلام.
بلغ النيابة فورًا.
واتحرك بنفسه مع قوة أمنية.
ولما وصلوا...
لقوا خمس رجال مسلحين بيكسروا باب الشقة.
حصل اشتباك سريع.
وتم القبض عليهم.
أحمد دخل الشقة يجري.
فتش الأوض.
لحد ما فتح دولاب قديم.
ولقى طفل صغير مستخبي جواه.
كان عنده حوالي أربع سنين.
الطفل كان ماسك صورة قديمة لمريم.
أحمد وقف مكانه.
ملامح الولد...
كانت شبهه بشكل مرعب.
نفس لون العينين.
ونفس الفك.
ونفس النظرة.
بص له الطفل وقال بهدوء
أنا اسمي عمر عبد الحميد.
في اللحظة دي...
كان اللواء إبراهيم الشاذلي واقع على الأرض بعد ما اتصاب أثناء الاشتباك.
رفع رأسه بصعوبة...
وبص لأحمد.
وقال الجملة اللي رجعت له الأمل...
وفي نفس اللحظة قلبت حياته كلها
الولد ده... ابنك.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
ومريم... لسه عايشة.
الجزء الثالث والأخير
أحمد حس إن العالم كله وقف فجأة.
نزل على ركبته قدام عمر...
لكنه ما قدرش يمد إيده ويحضنه.
الطفل كان بيبص له بحذر شديد، بنفس الطريقة اللي مريم علمته يبص بيها لأي شخص غريب يقابله.
وفي الصورة القديمة اللي كان ماسكها...
كان أحمد ظاهر ببدلته العسكرية، واقف جنب مريم وبيضحك.
نفس الست اللي كل الناس كانت مقتنعة إنها ماتت من خمس سنين.
عمر بص له وسأله بصوت صغير
إنت... بابا؟
أحمد غمض عينيه.
وفي لحظة واحدة...
رجع يسمع صوت أجراس الجنازة.
وافتكر دموع سهير الكدابة.
وافتكر الليالي اللي كان بيقعد فيها لوحده يتكلم قدام صندوق رماد فاضي، وهو مقتنع إن مراته وابنه ماتوا.
فتح عينيه وقال وهو بيعيط
أيوه... أنا باباك.
ثم صوته اتكسر وهو بيكمل
بس أنا وصلت متأخر أوي.
اللواء إبراهيم الشاذلي شرح له أهم اللي حصل.
حكاله عن المحجر.
والانهيار الصخري.
وإزاي لقى مريم جوه الجوال.
وحكاله عن الحمل، وعن قرار مريم إنها تفضل مستخبية لحد ما تجمع دليل يثبت إن سهير حاولت تقتلها.
لكن إبراهيم ما قدرش يقول له مريم موجودة فين.
لأنها كانت خرجت قبلها بساعات تدور على الناجي الوحيد من الرجالة اللي حاولوا يدفنوها وهي عايشة.
في الوقت اللي كان فيه أحمد بيحاول يحمي عمر...
كانت مريم ماشية في الأزقة الضيقة في منطقة العتبة، ورا سيد الأعور.
على مدار شهور طويلة...
كانت مريم متخفية وبتشتغل عاملة نظافة داخل البرج الإداري الرئيسي لشركة منصور للتطوير العقاري في التجمع الخامس.
استخدمت اسم مزيف
منى السيد.
كانت بتلبس زي رمادي واسع.
وتغطي وشها بكمامة.
وتتظاهر إن عندها عرجة بسيطة.
بالشكل ده...
قدرت تعرف مواعيد الحراس.
ومواعيد تبديل الورديات.
والممرات اللي ما فيهاش كاميرات.
والأبواب اللي ممكن تدخل منها من غير ما حد يشك فيها.
ومع الوقت...
قدرت تنسخ كشوف الحسابات البنكية.
وعقود الشركات الوهمية.
وكمان صورة من التوكيل المزور اللي استخدمته سهير عشان تستولى على أسهم أحمد.
التوقيع الموجود على التوكيل...
ما كانش توقيع أحمد.
والختم المستخدم عليه...
كان بتاع موظف توثيق مات قبل تاريخ تحرير الورقة بشهرين كاملين.
كل ده كان يثبت التزوير والسرقة.
لكن كان لسه ناقص أهم دليل...
دليل محاولة قتلها.
جوا أرشيف سري في الشركة...
مريم لقت تحويلات مالية دورية باسم سيد الأعور.
بدأت تدور عليه.
ولحد ما وصلت له أخيرًا...
كان عايش هربان في بيت قديم داخل حارة شعبية.
المخدرات والخوف كانوا أكلوا ملامحه.
وكان كل يوم مستني الموت.
لأن سهير كانت أصدرت أمر بقتله.
هو كان آخر شاهد لسه عايش.
ولو اتكلم...
كل حاجة هتنكشف.
لما وصلت مريم للمكان...
لقيت تلات رجال محاصرين سيد جوه ورشة قديمة.
الأول اندفع ناحيتها.
ضربته في رسغه بقوة، فوقعت السكينة من إيده.
الثاني حاول يمسكها من ضهرها.
لفت بسرعة وخبطته في طرف الترابيزة، فوقع على الأرض.
أما الثالث...
مد إيده عشان يطلع مسدسه.
لكن مريم كانت أسرع.
مسكت إيده، لوتها، وخدت منه السلاح قبل ما يقدر يضرب طلقة واحدة.
سيد الأعور أول ما شافها...
اتجمد.
بعدها وقع على ركبته.
قال بصوت مرتعش
أنا شفتك وإنتِ بتقعي من فوق الجبل.
بلع ريقه بصعوبة.
إنتِ مستحيل تكوني عايشة.
مريم قربت منه وقالت ببرود
وإنت كمان مش هتفضل عايش... لو سهير عرفت إن التسجيل لسه معاك.
سيد كان سجل المكالمة الأصلية اللي جرت بينه وبين سهير.
عمل كده عشان يضمن حقه ويحمي نفسه لو حاولت تتخلص منه.
كان محتفظ على فلاشة بصوت سهير وهي بتعرض عليه اتنين مليون جنيه.
وبتأمره يخطف مريم.
وبتطلب منه بوضوح إنه يدفن
الأم والطفل.
وكان معاه كمان إيصالات تحويلات بنكية خارجة من حساب مرتبط بإحدى شركات سهير.
مريم ما وعدتوش إنه هيخرج حر.
بصت له وقالت
سلّم نفسك واشهد بالحقيقة.
السجن هو المكان الوحيد اللي سهير مش هتعرف تبعت حد يقتلك جواه.
سيد فكر للحظات.
وبعدها وافق.
وقبل ما يخرجوا من الورشة...
موبايل مريم وصل له رسالة من اللواء إبراهيم
وصلوا لمكان عمر.
مريم جريت ناحية مدينة السلام وهي متأكدة إنها اتأخرت.
كانت خايفة توصل فتلاقي ابنها مات.
أول ما دخلت الشارع...
شافت عربيات الشرطة.
ورجالة متكلبشين.
وعربية إسعاف واقفة قدام العمارة.
ثم شافته.
أحمد كان قاعد على طرف عربية الإسعاف...
وعمر نايم فوق صدره.
في نفس اللحظة...
أحمد رفع عينه.
ومريم بصت له.
الاتنين شافوا بعض في نفس الثانية.
أحمد وقف ببطء.
مريم كانت لابسة هدوم سودا.
شعرها مبلول.
وفي جرح مفتوح فوق حاجبها.
بالنسبة له...
ما كانتش شبح.
ولا ذكرى.
ولا صورة قديمة.
دي كانت الست اللي فضل يدور عليها خمس سنين في كل مستشفى، وكل طريق جبلي، وكل مشرحة، وكل وش يقابله.
خد خطوة ناحيتها.
لكن مريم رجعت خطوة لورا.
وقالت
مش دلوقتي.
ثم بصت ناحية عمر وكملت
لازم نخلص كل ده الأول.
أحمد كان عايز يسألها
ليه ما كلمتهوش؟
ليه سبته يدفنها؟
ليه خلته يعيش خمس سنين