الاهانه
المحتويات
المطبخ، وأخذت البطانية على رجلي، وبدأت أتحسس المراكب الزرقاء، ودموعي التي حبستها طوال اليوم بدأت تنزل بصمت على الصوف الدافئ.
في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، رنّ هاتفي المحمول. كان سليم. عندما فتحت الخط، لم أسمع صوت ابني الواثق أو حتى المعتذر؛ سمعت صوتاً يرتعش، صوت رجل أنفاسه متلاحقة وخائڤة، كأنه يهرب من شبح.
قال لي بنبرة مکسورة ومذعورة يا أمي... أرجوكي... إحنا في المستشفى دلوقتي... نادين في حالة صدمة... والبيت اتقلب... أرجوكي قوليلي، كان إيه اللي مستخبي جوه البطانية؟
تسمرت في مكاني. سألته مستشفى إيه يا سليم؟ وإيه اللي جاب سيرة البطانية دلوقتي؟
بكى سليم، وكان بكاؤه مرّاً، وقال بعد ما مشيتي، الحفلة خلصت. ونادين قعدت تفتح الهدايا البراند وتصورها. ولما نامت، دخلت أوضتنا، ولقيت على السرير ورقة قديمة مطوية سقطت غالباً من البطانية لما رميتها في الژبالة أو لما شلتيها... ورقة مكتوبة بخط إيد أبويا الله يرحمه... ونادين لما شافتها وقرتها صړخت وأغمى عليها... البيت انهار يا أمي... قوليلي الأمانة فين؟
الحلقة الخامسة فك الرموز وسر الورقة
هنا فهمت كل شيء. عندما انتشلتُ البطانية من سلة المهملات، وبسبب العجلة والارتباك، بدأت الخياطة المخفية تترخي قليلاً دون أن أنتبه، ويبدو أن جزءاً من الوصية أو ورقة ملحقة بها قد سقطت من الجيب السري وسط القمامة أو على الأرض، وعثرت عليها نادين لاحقاً.
قلت لسليم بثبات الورقة دي فيها إيه يا سليم؟
قال صوته الباكي الورقة دي رسالة من أبويا، مكتوب فيها إلى من يجد هذه الورقة... اعلم أنك لم تجدها إلا لأنك فتشت في القمامة أو استهنت بالصوف الذي يحمي عائلتي. الأمانة الحقيقية، صكوك ملكية العمارات الثلاث الكبرى في وسط البلد،
وسبائك الذهب التي ادخرتها للحفيد، مخبأة في جيب لا يراه إلا ذو قلب نقي داخل هذه البطانية. وإذا كانت هذه الورقة بين يديك دون البطانية، فاعلم أنك خسړت كل شيء، لأن زوجتي لن تفرط في البطانية، ومن يملك البطانية يملك الثروة كلها. لقد حرمت نفسك بأنانيك.
تنفست الصعداء. لقد كانت حكمة عبد الرحمن تتخطى الزمن. لقد وضع ورقة التمويه في بداية الجيب، بحيث إذا تم التعامل مع البطانية پعنف أو إهمال، تسقط الورقة لتكشف للطرف الآخر حجم الخسارة التي أوقع نفسه فيها، بينما تظل الثروة الحقيقية داخل الجيب المتين المخفي.
الحلقة السادسة المواجهة في المستشفى
في الصباح الباكر، ذهبت إلى المستشفى. كنت أحمل حقيبتي العادية، ولم أحضر معي البطانية بالطبع. عندما دخلت الغرفة، رأيت نادين مستلقية على السرير، وجهها شاحب كالمۏت، وتحت عينيها سواد شديد. لم تعد تلك المرأة المغرورة التي تتباهى بالماركات؛ كانت تبدو صغيرة وضئيلة ومکسورة. وكان سليم يجلس بجانبها، ورأسه بين يديه.
عندما رأتني نادين، حاولت القيام من سريرها، وامتدت يداها المرتعشتان نحوي، وقالت بصوت مبحوح طنط... أرجوكي... سامحيني... أنا كنت غبية... أنا ما كنتش أقصد... البطانية فين؟ أرجوكي قوليلي إنك ما رميتيش البطانية في الشارع!
نظرت إليها بهدوء، وجلست على الكرسي المقابل لها. قلت لها بصوت هادئ وموزون البطانية في الحفظ والصون يا بنتي. بس هي مش مجرد صوف... دي أمانة جوزي. أنتوا رميتوها في الژبالة قدام الناس لأنها مش براند. ودلوقتي، لما عرفتوا إن جواها ملايين، بقت غالية وعايزينها؟
بكى سليم وقال يا أمي، نادين غلطت، وأنا غلطت إني سكتت. بس دي ثروة أبويا، دي أمانة ابني اللي لسه ما جاش الدنيا. بلاش تعاقبينا الذنب ده.
الحلقة السابعة شروط الجدة والحكمة المستردة
قلت لهما أنا مش هعاقب حد. عبد الرحمن الله يرحمه هو اللي حط الشرط. قالي ما يلاقيهاش غير شخص حنين يفتحها بنفسه. ونادين ما فتحتهاش بحب، نادين رمتها. وعشان كده، الثروة دي مش هتدخل بيتكم دلوقتي.
انتفضت نادين وقالت يعني إيه؟ هتحرمينا من حقنا؟
نظرت إليها نظرة جعلتها تتراجع إلى وسادتها، وقلت الحق ده مش حقك، ده حق الطفل اللي في بطنك. والصكوك والذهب هيفضلوا في الحفظ والصون في صندوق أمانات في البنك باسم الحفيد، وما حدش هيقدر يتصرف في قرش واحد منهم ولا يبيع ولا يشتري، لحد ما الطفل ده يكبر ويبقى عنده 21 سنة، ويجي بنفسه يستلم أمانة جده.
أما البطانية، فقد أخرجتها من حقيبتي الصغيرة بعد أن قمت بفك الجيب السري بالكامل بالمنزل وأخرجت الصكوك والذهب وأودعتها البنك في طريقي للمستشفى، ثم أعدت خياطة البطانية بشكل طبيعي. رميتها على سرير نادين وقلت دي البطانية. فاضية دلوقتي من الملايين، بس مليانة صوف ودفا ودعوات. لو لسه شايفاها ما تنفعش لمستواكم، ارميها تاني في الژبالة.
الحلقة الثامنة تحول المسار وبداية الندم
نظرت نادين إلى البطانية التي سقطت على حجيرتها. لم تكن هناك كاميرات تصوّر، ولا صديقات يطلقن صيحات الإعجاب بالماركات. كانت هناك فقط قطعة صوف مصنوعة بيدين متعبتين، تنبعث منها رائحة النظافة وبيت الجدة القديم. بكت نادين بصدق لأول مرة، واحتضنت البطانية إلى صدرها، وبدأت تعتذر بنحيب مرير.
أما سليم، فقد جاء إليّ وقبل يدي ورأسي، وقال درس العمر يا أمي. أنا نسيت نفسي في وسط المظاهر، ونسيت إنك أنتي وأبويا البراند الحقيقي في حياتي.
علمت في تلك اللحظة أن وصية زوجي قد تحققت بالكامل؛ ليس فقط في حماية أموال الحفيد من التبديد في
الحفلات والمظاهر الجوفاء، بل في إعادة تربية ابني وزوجته وتعليمهما
متابعة القراءة