ركبت نفس الطيارة بقلم زيزي احمد
دقيقة؟
ندى قامت بسرعة وقالت
هو عمل إيه؟
الراجل رد باختصار
مجرد إجراء روتيني.
لكن قبل ما كريم يتحرك، راجل مسن كان قاعد في الصف المقابل قال بصوت عالي
إوعى تروح معاهم!
الكل بص عليه.
الراجل كمل
دول مش تبع المطار.
ساد صمت ثقيل.
الاتنين بصوا لبعض للحظة، وكأنهم اتكشفوا.
وفي ثانية واحدة، لفّوا وجروا ناحية مقدمة الطيارة.
وقبل ما أي حد يستوعب اللي حصل...
اتفتح باب صغير خاص بطاقم الطائرة، واختفوا من وراه.
الركاب بقوا في حالة ذهول.
المضيفات جريوا ناحية الباب، لكن كان اتقفل بالفعل.
مريم بصت لكريم وقالت لأول مرة بحدة
دلوقتي هتقولي الحقيقة؟
كريم سكت ثواني طويلة، وبعدها أخرج من جيب الجاكيت فلاشة معدنية صغيرة جدًا.
حطها في إيد مريم وهو بيقول
لو حصل لي أي حاجة بعد ما ننزل... متفتحيهاش لأي حد.
مريم بصت للفلاشة باستغراب.
إيه اللي عليها؟
كريم رد وهو بيبص من الشباك، كأنه مستني حاجة تحصل أول ما الطيارة تلمس الأرض
كل الإجابات... وكل سبب خلاني أخبي عنك الحقيقة مريم بصت للفلاشة في إيدها، وحست إنها أثقل من حجمها بكتير.
رفعت عينيها لكريم وقالت
لو كنت واثق فيا للدرجة دي... ليه مخبي كل ده من الأول؟
قبل ما يرد، ندى قالت بسرعة
لأنك لو كنتي عرفتي، كنتي هتبقي في خطر من أول يوم.
مريم لفت لها بحدة.
خطر من مين؟
ندى فتحت بقها تتكلم، لكن كريم قاطعها
كفاية.
الطيارة بدأت تقلل ارتفاعها، وصوت الكابتن أعلن
استعدوا للهبوط خلال خمس عشرة دقيقة.
في نفس الوقت، موبايل كريم اهتز.
بص للشاشة، لكن المرة دي ما حاولش يخبيها.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
الاستقبال جاهز. البوابة رقم 3.
مريم سألت
مين اللي باعت الرسالة؟
كريم قفل الموبايل من غير ما يجاوب.
بعدها بثواني، الراجل المسن اللي حذرهم قبل شوية قام من مكانه، ومشى لحد كريم.
مد إيده وسلم عليه كأنهم يعرفوا بعض من زمان.
قال بصوت منخفض
افتكر الاتفاق... مهما حصل، الفلاشة متطلعش من إيدها.
مريم استغربت.
حضرتك تعرف جوزي؟
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أعرفه... وأعرف إنه اتحط في موقف عمره ما كان يتمنى يتحط فيه.
وقبل ما تسأله أي سؤال تاني، رجع لمكانه وكأنه ما قالش حاجة.
ندى بصت من الشباك فجأة، واتسعت عينيها.
كريم... بص!
كلهم بصوا.
كان في عربيتين سودا واقفين جنب ممر الطائرات، مع إن الطيارة لسه ما وقفتش.
الغريب إن العربيتين مكانوش تابعين لشركة الطيران، وماكانش عليهم أي شعارات.
كريم ضغط على إيد الكرسي بقوة وهمس
وصلوا أسرع مما توقعت.
مريم قلبها بدأ يدق بعنف.
ولأول مرة، حست إن اللي هيحصل بعد فتح باب الطيارة... هيكون أخطر بكتير من كل اللي حصل جواها.
وفجأة...
قبل ما الطيارة تلمس أرض المطار بثوانٍ، انطفأت الأنوار مرة تانية.
وسُمِع صوت ارتطام قوي جاي من مخزن الأمتعة أسفل الطائرة...
ثم أعقبه صوت شخص بيصرخ، رغم إن المكان المفروض ما يكونش فيه أي راكب الطيارة بدأت ترتفع من جديد، والركاب بقوا يبصوا من الشبابيك في قلق، محدش فاهم ليه الهبوط اتأجل فجأة.
مريم كانت ماسكة الفلاشة بقوة، وعينيها ما سابتش كريم.
قالت بحزم
أنا مش هتحرك من هنا غير لما أعرف إيه اللي بيحصل.
كريم رد بهدوء
لو قلتلك دلوقتي، هتسألي مية سؤال، ومفيش وقت أجاوب.
ردت بحدة
يبقى متستناش إني أثق فيك.
قبل ما الحوار يكمل، الشاب اللي سلّم الظرف لكريم رجع خطوة لورا، وكأنه افتكر حاجة.
قال بصوت منخفض
في شخص من الركاب مش راكب بالاسم اللي في التذكرة.
ندى اتوترت وسألته
عرفتوه؟
هز راسه.
لأ... لكن عرفنا رقم المقعد.
كريم سأله بسرعة
كام؟
الشاب بص حواليه، وبعدها قال
27C.
مريم تلقائيًا بصت ناحية الصف السابع والعشرين.
كان فيه راجل لابس كاب أسود، قاعد من أول الرحلة، ولا مرة قام من مكانه.
لكن أول ما حس إن الناس بصاله...
قام بهدوء، وشال شنطته الصغيرة، واتجه ناحية دورة المياه.
الشاب همس
متسيبهوش يختفي.
كريم جري وراه من غير تفكير.
ندى لحقته.
أما مريم، ففضلت مكانها ثانيتين، وبعدها قررت تمشي وراهم.
لما وصلوا عند باب دورة المياه...
كان الباب مقفول من جوه.
كريم خبط عليه بعنف.
افتح!
محدش رد.
خبط مرة تانية.
برضه مفيش أي صوت.
المضيفة جريت عليهم وهي بتقول
في إيه؟
كريم قال
افتحوا الباب حالًا.
جابت المفتاح الاحتياطي، وفتحت الباب...
الحمام كان فاضي.
مفيش حد.
المضيفة شهقت.
مستحيل... أنا واقفة هنا من دقيقة، محدش خرج.
ندى بصت للأرض، ولاحظت حاجة.
ورقة صغيرة مطوية جنب قاعدة الباب.
التقطتها بسرعة.
فتحتها...
ولون وشها اتغير تمامًا.
كريم خطف الورقة من إيدها.
قرأ أول سطر...
وسكت.
مريم حاولت تشوف المكتوب، لكنه قفلها بسرعة.
قالت بغضب
كل شوية ورقة ورسالة! إيه اللي مكتوب؟
كريم رفع عينه ناحيتها، وكانت أول مرة مريم تشوف فيها الخوف الحقيقي في عينيه.
قال بصوت بالكاد بيتسمع
هو سبقنا بخطوة كمان...
ثم فتح الورقة مرة تانية، وكانت آخر جملة فيها كفيلة إنها تخلي ندى تقعد على أقرب كرسي وهي مش قادرة تنطق بكلمة واحدة...الصرخة خلت الركاب كلهم ينتفضوا.
المضيفات بصوا لبعض في ارتباك، وإحداهم رفعت السماعة الداخلية بسرعة تتواصل مع قائد الطائرة.
بعد ثواني، جه صوت الكابتن هادي لكنه حازم
برجاء من السادة الركاب الالتزام بمقاعدهم وربط الأحزمة... في إجراء فني بسيط قبل الهبوط.
لكن نبرة صوته كانت بتقول إن الموضوع أبعد بكتير من إجراء فني.
مريم لاحظت إن كريم مركز مع صوت جاي من آخر الطيارة.
كأنه مستني إشارة معينة.
وفجأة...
اتفتح باب صغير خاص بطاقم الخدمة، وخرج منه عامل تحميل أمتعة، وشكله مرهق وهدومه عليها تراب.
المضيفة جريت عليه بدهشة.
إنت إزاي هنا؟! إحنا لسه في الجو!
العامل بص حواليه بخوف، وقال وهو بيحاول ياخد نفسه
في حد كان مستخبي تحت... أول ما حس إن الطيارة هتهبط حاول يخرج.
الجملة وقعت على الركاب زي الصاعقة.
همهمات وتعليقات بدأت تعلى في كل مكان.
مريم بصت لكريم.
لقته قافل عينيه للحظة، وكأنه كان متوقع يسمع الخبر ده.
ندى همست
يبقى هو وصل قبلنا.
رد كريم من غير ما يبصلها
أو يمكن... عمره ما خرج من الطيارة أصلًا.
العامل كمل كلامه وهو بيشاور ناحية مخزن الأمتعة
ملحقتش أشوف وشه... أول ما لمحني دفعني وقفز ناحية الممر الخلفي.
في اللحظة دي، اتفتح باب الممر الخلفي فعلًا.
لكن اللي خرج منه ماكانش الشخص اللي العامل بيتكلم عنه.
خرج شاب في أواخر العشرينات، لابس جاكيت أسود، وفي إيده بطاقة تعريف خاصة بالمطار.
بص مباشرة على كريم وقال
أخيرًا لقيتك.
مريم استغربت.
إنت مين؟
الشاب تجاهل سؤالها، ومد ظرف أبيض ناحية كريم.
دي آخر نسخة... والباقي اتحرق.
كريم أخد الظرف بسرعة، لكن قبل ما يفتحه، سمعوا صوت ارتطام جديد من أسفل الطيارة.
المرة دي كان أقوى.
لدرجة إن الطيارة كلها اهتزت هزة خفيفة.
الكابتن أعلن فورًا
تم إلغاء الهبوط مؤقتًا... هنضطر نلف دورة إضافية فوق المطار.
كل اللي على الطيارة اتوتر.
أما كريم، فبص للظرف الأبيض، ثم للفلاشة اللي مع مريم، وقال بصوت خافت
واضح إن حد مش عايز الحقيقة توصل لحد... مهما كان الثمن مريم سحبت إيدها بسرعة، واتراجعت خطوة.
الإيد اللي ظهرت من تحت الكرسي كانت لابسة جوانتي أسود.
وصاحبها خرج بهدوء، وكأنه واحد من الركاب العاديين.
كان راجل في الأربعينات، لابس جاكيت رمادي، ووشه هادي بشكل مستفز.
رفع الكيس الأسود في إيده وقال بابتسامة خفيفة
واضح إنكم تعبتوا عشان توصلوله.
كريم اتقدم خطوة.
سيبه... الموضوع انتهى.
الراجل هز راسه بالنفي.
بالعكس... لسه ابتدى.
ندى همست لمريم
أنا أول مرة أشوفه.
لكن كريم كان واضح إنه يعرفه.
قال من بين سنانه
إنت اتأخرت.
ابتسم الراجل وقال
وأنت استعجلت.
الركاب اللي حواليهم بدأوا يحسوا إن في حاجة مش طبيعية، لكن محدش كان فاهم اللي بيحصل.
الراجل حط الكيس تحت دراعه، وبص لمريم لأول مرة.
وقال
أنتِ تبقي مدام كريم، صح؟
مريم ما ردتش.
قال بهدوء
صدقيني... وجودك هنا بوظ حسابات ناس