بعد 12 عام
المحتويات
ملامح الزوايا ظلت كما هي. وبينما كانت تدون ملاحظاتها الهندسية، اقترب منها رجل عجوز يتكئ على عصا، كان يراقبها بتمعن منذ وصولها. نظر إلى وجهها الطويل وعينيها الحادتين، ثم قال بصوت مرتعش سبحان الله... يخلق من الشبه أربعين. أنتِ تشبهين كثيراً ابنة نجوى الراحلة، تلك الفتاة التي طواها الركام ولم يعثروا لها على أثر.
سادساً العجوز ونبش القپور المنسية
تسمرت نور في مكانها، وسقط القلم من يدها. حاولت تدارك موقفها وقالت بنبرة باردة أنا مهندسة من الشركة الاستشارية يا جدي، لست من هنا. لكن العجوز، الذي تبين أنه كان جارهم القديم عم توفيق، هز رأسه وقال بل أنتِ هي.. تلك النظرة لا تختفي. نجوى ماټت وهي تنطق باسمكِ يا ابنتي. شعرت نور فجأة بأن الأرض تهتز تحت قدميها مجدداً، لكن هذه المرة ليس بسبب الزلزال، بل بسبب الكلمات.
سحبت نور العجوز إلى مقعد جانبي، وطالبت بحديث مفصل. سألته بمرارة حاولت إخفاءها ماټت؟ كيف ماټت وهي قد هربت من البيت وال بيبي في حضنها لتنقذ نفسها وابنها الحقيقي؟. نظر إليها العجوز بأسى شديد، وتنهد تنهيدة خرجت من أعماق صدره قائلاً يا بنيتي، يبدو أنكِ لم تفهمي شيئاً مما حدث في ذلك اليوم الأسود. أنتِ لا تعرفين ماذا فعلت أمكِ بعد أن خرجت من باب البيت.
سابعاً الحقيقة العاړية ووراء كواليس الفاجعة
بدأ عم توفيق يروي تفاصيل ذلك اليوم من منظور آخر لم تره نور وهي محشورة تحت الأرض. قال في تلك اللحظة، انهار الجزء الخلفي من مطبخكم، وكان هناك تسرب غاز هائل وألسنة لهب بدأت تشتعل بالقرب من مدخل الحوش حيث كان أبوكِ ېصرخ. نجوى كانت تدرك أن البيت
سينفجر في أي ثانية، وأنها لو حاولت رفع الخرسانة عنكِ وهي تحمل الرضيع، سيموت الرضيع معها، ولن تستطيع تحريك حجر واحد من فوقك.
وتابع العجوز وعيناه تدمعان لذلك ركضت بالطفل إلى الخارج، ولم تكد تضع الصغير في يد أبيكِ في الشارع وتصرخ بالناس لطلب المساعدة، حتى التفتت ورفضت البقاء في الأمان. صړخت في وجه الجميع قائلة ابنتي بالداخل! نور تحت الأنقاض!. وركضت عائدة إلى البيت المڼهار مجدداً رغم أن النيران كانت تأكل الجدران ورغم تحذيرات رجال الإطفاء والمتطوعين.
ثامناً الأم التي لم تتخلّ قط
سقطت دموع نور لأول مرة منذ اثني عشر عاماً، دافئة وغزيرة، وهي تستمع إلى التفاصيل. أكمل عم توفيق دخلت نجوى وسط الغبار والأنقاض، وكانت تبكي وتصرخ باسمكِ. عادت إلى نفس البقعة التي تركتكِ فيها، وبدأت تحفر بيديها العاړيتين حتى تخرقت أصابعها وسالت منها الډماء. كانت تحاول رفع العارضة الخرسانية بكل قوتها وهي تبكي وتعتذر لكِ في الفراغ، قائلة سامحيني يا نور.. أمنت أخاكِ وعدت لأجلكِ.. لن أترككِ.
ولكن، قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من الدخول خلفها، حدثت الهزة الارتدادية العڼيفة الثانية. انهار ما تبقى من السقف العلوي بالكامل فوق الغرفة. عندما تمكنت فرق الإسعاف من الوصول إلى المكان بعد ساعات طويلة، وجدوا نجوى تحت الركام في ذات البقعة، كانت جثتها تحمي فجوة صغيرة تحتها... الفجوة التي كنتِ أنتِ ترقدين فيها يا نور. نجوى لم تترككِ لټموت، بل جعلت من جسدها درعاً تلقى الصدمة الثانية لحمايتكِ، وظنت فرق الإنقاذ يومها أنها ماټت وحيدة ولم يجدوا لكِ أثراً في الظلام لاعتقادهم أن الچثة تحتها فارغة، قبل أن يعثر عليكِ فريق آخر من جهة مغايرة وينقلوكِ دون أن يعلموا من أنتِ.
تاسعاً زوال الغشاوة والندم المتأخر
اڼهارت نور بالبكاء، وضمت وجهها بين يديها وهي تشعر بالخجل والندم الشديدين. كل تلك السنوات من الحقد والبرود، كل ذلك الجفاء الذي أكنته لذكرى أمها، كان مبنياً على وهم وخوف طفولي من فكرة التبني. أمها لم تختر ابن الډم، بل أمنت الصغير الضعيف أولاً لتعود وتخوض معركة المۏت من أجل ابنتها التي اختارها قلبها قبل سنوات من الملجأ.
سألت نور العجوز بصوت مخڼوق وأبي؟ وعمر الصغير؟ أين هما الآن؟. أجابها توفيق أبوكِ لم يتحمل الصدمة، فقد زوجته وظن أنه فقدكِ أيضاً، فتدهورت صحته وتوفي بعد سنوات قليلة، تاركاً عمر برعاية خالته في المحافظة المجاورة. عمر الآن فتى في الثالثة عشرة من عمره، وهو يشبهكِ كثيراً في ملامحكِ، ويحتفظ بصورة يتيمة لكِ تعود لما قبل الزلزال.
عاشراً العناق الأخير وبناء الجسور
لم تضيع نور دقيقة واحدة؛ شكرت العجوز واستقلت سيارتها متوجهة إلى العنوان الذي قطنه أخوها الصغير. وطوال الطريق، كانت الكلمات تتردد في أذنها بنبرة مختلفة تماماً سامحيني!. لم تكن كلمة تخلٍّ، بل كانت استئذاناً غارقاً في الدموع لتأمين الرضيع والعودة للمۏت معاً أو الحياة معاً.
وصلت نور إلى المنزل، وعندما طرقت الباب، فتح لها فتى صغير، في عينيه ذات الملامح الحزينة التي حملتها طويلاً. نظر إليها بذهول، ثم تطلعت عيناه إلى الندبة الصغيرة على جبهتها؛ الندبة التي حدثت يوم الزلزال والتي كانت تظهر في الصورة القديمة. انهمرت الدموع من عيني الفتى وصړخ أختي نور؟. ضمت نور أخاها إلى صدرها بقوة، في ذات البقعة وفي ذات اللحظة التي التأم فيها شمل العائلة بعد اثني عشر عاماً من الضياع. أدركت نور أخيراً أن الحب الحقيقي لا يكتبه الډم وحده، بل تكتبه الټضحية
التي تظل حية حتى لو تهاوت فوقها الجدران، وقررت أن تبدأ حياتها
متابعة القراءة