بابا قالى
بابا قالي أنا راجع علطول يا حبيبتي.. بس هو مجاش البيت تاني خالص!.. طفلة عندها 7 سنين كلمت النجدة وهي بتوشوش وبتترعش من الخوف.. الحقيقة والمصيبة اللي الشرطة كشفتها بعد كام يوم هزت قلوب الناس كلها وصدمت المنطقة عن بكرة أبيها!
بابا وعدني إنه مش هيغيب برة كتير.. بس بقاله أربع أيام كاملين مجاش.. الصوت الصغير كان بيترعش وهو بيتكلم في التليفون، وكان يدوبك مسموع وسط صوت المطر الرزيع اللي نازل على أسطح البيوت القديمة في حارة ضيقة من حواري السيدة زينب.. عسكري الطوارئ أحمد اتخشب في مكانه أول ما سمع نبرة البنت اسمك إيه يا شاطرة؟.. ردت بوشوشة حبيبة.. وعندي سبع سنين.. أحمد ب سرعة بَص على الشاشة وشاف العنوان، البيت كان بيت قديم للإيجار في درب الميضة، من نوعية الحواري اللي الناس فيها بتبص من ورا الستائر بس قليل لما حد يمد إيده ويساعد.. سألها بقلب أب يا حبيبة، أنتِ قاعدة لوحدك في البيت؟.. فضل كذا ثانية مفيش غير صوت نفسها العالي، وبعدين شهقة خفيفة أيوة.. بابا نزل يشتري لي الدواء والأكل وقالي راجع حالا.. بس مجاش.. وبطني بتوجعني أوي.. أحمد صدره اتخنق آخر مرة أكلتي فيها إمتى؟.. ردت بضعف مش فاكرة.. كان فيه حلة شوربة على البوتاجاز بس ريحتها بقت وحشة.. شربت مية من الحنفية، وأكلت مشمش معايا.. سألها مين مشمش ده؟.. قالت له الدبدوب بتاعي.. أحمد شاور علطول لأقرب دورية وبوكس شرطة قريب من المكان حبيبة.. اسمعيني كويس.. فيه حد جيلك حالا يساعدك.. أبلة منى لبيسة الميري وجايلك حالا.. خليكِ معايا على الخط ماشي؟.. مش أكتر من ثلث ساعة، وكانت أمين الشرطة منى واصلة قدام البيت القديم.. نور السلم كان ضلمة كحل، والمية نازلة على الشبابيك المشرخة زي الدموع.. منى خبطت على الباب براحة حبيبة؟ أنا أبلة منى.. جيت عشان أساعدك يا حبيبتي.. الباب اتفتح شبر واحد.. وعين واحدة مرعوبة وبتبص من ورا الفتحة أنتِ مش زعلانة مني؟.. منى نزلت على ركبها علطول وبصت لها بحنان لأ يا قلب أبلة منى.. محدش زعلان منك أبداً.. البنت فتحت الباب على آخره.. منى حست إن قلبها اتخلع من مكانه.. حبيبة كانت واقفة حافية على البلاط الساقع، ولابسة تيشرت واسع ومبهدل وبيداري رجليها، واضح إنه بتاع أبوها.. شفايفها كانت مقشفة، ودراعاتها الصغيرة كانت رفيعة بشكل يوجع القلب، وبطنه منفوخة من كتر الجوع.. جوة الشقة، التلاجة كانت فاضية ومفيش فيها الهوا.. وعلى تربيزة المطبخ، كان فيه ورقة مكتوبة بخط الإيد، لستة طلبات رز، شوربة فراخ، عصير، دواء حبيبة.. وجنبها ورقة تانية بتفكر بالمعاد معاد دكتور رامي ضروري جداً.. في اللحظة دي، الجيران بدأوا يتجمعوا برة على السلم وفي المدخل.. أم عادل وقفت مربعة إيدها وقالت بلؤم أنا طول عمري عارفة إن الراجل ده ميعرفش يربي عيل لوحده بعد موت مراته.. وجار تاني هز راسه وقال تلاقيه طفش وساب البنت وخلع.. منى جزت على سنانها من الغيظ.. شالت حبيبة بين دراعاتها بالراحة وفجأة، البنت جسمها ساب تماماً وأغمى عليها على صدرها.. منى مسكت اللاسلكي بسرعة والدموع في عينيها العمليات.. النجدة.. اطلبوا الإسعاف حالا.. البنت قاطعة النفس وفي حالة جفاف شديد.. واسمعوني كويس.. الموضوع ده مش هروب ولا رمي ضنا.. فيه مصيبة كبيرة حصلت هنا.. وعقبال ما عربية الإسعاف اختفت وسط المطر والسرينة بتصوت، كان الجيران بدأوا ينشروا على صفحات الفيس بوك أب يهرب ويترك بنته تموت من الجوع.. أب عديم الرحمة يرمي طفلته المريضة.. المنطقة كلها افتكرت إنها عرفت الحكاية وفهمت الفيلم.. بس مكنش فيه مخلوق فيهم يعرف الحقيقة.. ولما الحقيقة دي تظهر وتنكشف.. هتخلي أعتى القلوب تبكي دم بدل الدموع..
يا ترى حبيبة هتعيش وأبوها جرى له إيه في ليلة المطر دي؟ وإيه السر المرعب اللي الشرطة هتكتشفه في مكان بعيد وهيقلب الحارة كلها ويخلي الجيران يعضوا صوابعهم من الندم؟ الحكاية لسه بتبدأ واللي جاي صدمة هتهز البيوت..
خرجت حبيبة من المستشفى بعد يومين، وكانت أول كلمة سألتها وهي لسه موصلة المحاليل
هو بابا زعل مني؟
الممرضة مسكت إيدها الصغيرة وقالت بابتسامة
بابا عمره ما يزعل منك.
لكن الحقيقة إن كل الموجودين كانوا بيدوروا على الأب أكثر مما بيجاوبوا على أسئلة البنت.
التحريات بدأت من أول كاميرا موجودة في الشارع. آخر ظهور للأب سامح كان وهو خارج من الصيدلية بكيس فيه دواء حبيبة، وعلبة لبن أطفال، ورغيفين عيش. بعدها بدقيقتين ظهر وهو واقف عند ناصية الشارع بيتكلم مع راجل نازل من عربية نقل بيضا من غير نمر واضحة.
بعدها... اختفى.
العربية اختفت من الكاميرات، وسامح اختفى كأنه اتبخر.
الجيران كانوا لسه بيكتبوا على صفحات الفيسبوك إنه أب هرب وساب بنته، لكن