المليونير شاف طليقته

لمحة نيوز

يعيد إليها جمالها القديم الذي سرقته سنوات شبرا، وضعت يدها في يده ونظرت إلى النيل الهادئ. ومن خلفهما، جاءت صوفيا وهي تجري وتضحك، ممسكة بفرشاة ألوان صغيرة، وقالت ببراءة يا بابا... أنا رسمت عائلتنا الجديدة، رسمتك أنت وماما وأنا... ومفيش حد عيان في الرسمة خالص. انحنى آدم وحمل ابنته صوفيا، وشعر لأول مرة بأن ثروته الحقيقية لا تقاس بالمليارات أو الأسهم، بل بتلك الأنفاس الدافئة والضحكات الطاهرة التي ولدت من رحم شتاء قاسٍ وصيدلية مبللة بدموع المطر.
الجزء الثاني رماد القصور وظلال الغد
لم تكن شمس الربيع التي أشرقت فوق مياه النيل كافية لتمحو تماماً برودة الذكريات التي سكنت زوايا القصر الجديد. فالمال يعيد بناء الجدران، ويشتري الأدوية، ويستدعي أعظم أطباء العالم، لكنه يقف عاجزاً أمام إحياء الأرواح التي أُزهقت، أو رتق الثقوب التي تتركها الخېانة في القلوب.
رغم انقضاء ثلاثة أشهر على اڼتحار سهام هانم وتفكيك شبكة السيوفي، كانت ندى لا تزال تستيقظ في بعض الليالي وهي تفزع من صوت رعد متخيل، ظناً منها أن المرتزقة يقتحمون غرفتها مجدداً. في تلك الليالي، كان آدم يتخلى عن كبريائه القديم بالكامل، ويجلس بجوارها على حافة السرير، يمسك يدها ويمسح على شعرها ببطء حتى تهدأ أنفاسها وتعود إلى واقعها الجديد والمحمي.
في صباح أحد الأيام، كانت صوفيا تجري في حديقة القصر الشاسعة، تلاحق الفراشات بجزمتها الوردية الجديدة التي رفضت التخلص منها رغبةً في الاحتفاظ بذكرى أيامها القديمة. كانت ملامحها قد تغيرت؛ ذهب الشحوب الذي كان يكسو وجهها الصغير، وحلّت محله حمرة الصحة والعافية، وأصبحت عيناها الرماديتان تشعان ببريق ذكاء حاد يذكر كل من يراها بأبيها آدم.
بينما كان آدم يراقبها من شرفة مكتبه وهو يرتشف قهوته الصباحية، دلف مرافقه الأمني الجديد، المقدم سامح علام، الذي حل محل طارق الشناوي بعد تعافيه وانتقاله لإدارة قطاع التأمين الخارجي للمجموعة. وضع سامح ملفاً جلدياً أسود على المكتب وقال بنبرة جادة آدم بك، التحقيقات المغلقة مع رأفت وجدي في السچن كشفت عن ثغرة خطېرة. قبل اڼتحار سهام هانم بساعات، قامت بتحويل أصول ماليّة تُقدر ب 150 مليون دولار إلى حساب مشفر في بنك سويسري مسجل باسم مستعار يعود ل شريف السيوفي... الابن الأكبر والأخطر لعائلة السيوفي، والذي كان يعيش في لندن بعيداً عن الأضواء.
تصلبت ملامح آدم، ووضع فنجان القهوة ببطء. شريف السيوفي؟ ظننت أن نفوذه انتهى بعد التحفظ على شركات والده.
رد سامح بالعكس يا فندم. شريف هو العقل المدبر الحقيقي للعمليات الدولية للعائلة. هو لم يتدخل في معركة البورصة هنا لأنه كان يعلم أن والده وشقيقه مروان يتصرفان بغباء. لكن الآن، بعد مصادرة أموالهم وسجن شقيقه واڼتحار سهام هانم، تجمعت لديه السيولة والنفوذ للاڼتقام. التقارير الاستخباراتية تفيد بأنه غادر لندن قبل يومين، ورصدت عيوننا تحركات لعملاء تابعين له في القاهرة... يبدو أنه جاء لإنهاء ما بدأه المرتزقة، لكن بطريقة مختلفة؛ ليس بالړصاص، بل بضړب استقرار المجموعة المالي وسحب حضانة صوفيا قانونياً عبر ثغرات في أوراق الطلاق القديمة.
في تلك اللحظة، دخلت ندى المكتب وهي تحمل بعض الأوراق الخاصة ب مؤسسة صوفيا الخيرية. لاحظت التوتر المكتوم بين آدم وسامح، فوضعت الأوراق وقالت بتوجس فيه إيه يا آدم؟ ملامحك مش مريحة... هل لسه الکابوس ده مخلصش؟.
تحرك آدم نحوها، وأمسك بكتفيها محاولاً طمأنتها مفيش حاجة
تقلقك يا ندى. مجرد ترتيبات مالية مع المحامين بخصوص أصول المجموعة في الخارج. صوفيا بأمان، وأنتِ بأمان. لكن ندى نظرت في عينيه الرماديتين وعرفت أنه يخفي شيئاً كبيراً؛ فقد تعلمت من سنوات شقائها أن الهدوء المفاجئ في عالم الأغنياء ليس إلا مقدمة لعاصفة جديدة.
لم يتأخر هجوم شريف السيوفي كثيراً. ففي مساء اليوم التالي، وأثناء انعقاد المؤتمر السنوي الأول لمؤسسة صوفيا للتنمية في أحد الفنادق الكبرى بالقاهرة، وبينما كان آدم يلقي كلمته أمام مئات من رجال الصحافة والمجتمع، انفتحت الأبواب الخلفية للقاعة الكبرى، ودخل رجل في أواخر الثلاثينيات، يرتدي بدلة إنكليزية كلاسيكية شديدة الأناقة، ملامحه هادئة لدرجة تثير الريبة، ويحيط به طاقم من المحامين الدوليين.
توقفت الهمهمات في القاعة وتوجهت عدسات الكاميرات نحو الرجل الذي تقدم بثقة حتى وقف أمام المنصة مباشرة. نظر إلى آدم بابتسامة باردة وقال بصوت مسموع عبر أجهزة الإعلام مساء الخير يا آدم بك. جئت لأهنئك على مؤسستك الخيرية الجديدة... وفي نفس الوقت، جئت لأقدم للمحكمة وللصحافة مستنداً رسمياً تم توثيقه في لندن وسويسرا، يثبت أن الطلاق الذي تم بينك وبين السيدة ندى الصاوي قبل ثلاث سنوات كان يحتوي على بند تفويض مطلق لإدارة شؤون الطفلة صوفيا لصالح جدتها سهام الغمري، وبما أن والدتك قامت بنقل هذا الحق قانونياً لعائلتنا قبل ۏفاتها سداداً لبعض الديون... أعلن أمام الجميع أنني أرفع دعوى قضائية دولية غداً للمطالبة بحق وصاية الطفلة صوفيا ونقلها للعيش معي في الخارج، باعتباري الوصي الشرعي المختار من عائلة الغمري.
سادت القاعة حالة من الفوضى العارمة، وانطلقت فلاشات الكاميرات تلتقط علامات الصدمة على وجه ندى التي كانت تجلس في الصف الأول، والتي كادت تسقط مغشياً عليها لولا أن تداركتها يد آدم التي امتدت من فوق المنصة لتمسك بها بقوة. نظر آدم إلى شريف السيوفي بعينين يتطاير منهما الشرر، وقال بنبرة منخفضة لكنها هزت أرجاء القاعة لعبتك قڈرة يا شريف... تماماً كلعبة والدك. لكنك نسيت شيئاً واحداً؛ دماء صوفيا لا تُباع في المحاكم، وإذا كنت تظن أن أموال سويسرا ستحميك مني، فأنت لم تتعلم شيئاً مما حدث لعائلتك.
انتهى المؤتمر بڤضيحة إعلامية أرادها شريف لتهز أسهم مجموعة آدم في البورصة وتضعه تحت ضغط نفسي رهيب. عادوا إلى القصر في ليلة شديدة التوتر. كانت ندى تبكي بحړقة في الصالون، صوفيا التي لم تكن تفهم سبب بكاء والدتها. آدم... هياخدوا بنتي مني؟ أنا مستعدة أرجع ل شبرا، مستعدة أعيش في الجوع والفقر تاني، بس بنتي متضيعش مني... أرجوك اتصرف! صړخت ندى بيأس.
جلس آدم على ركبتيه أمامها، وأخذ يد صوفيا الصغيرة ووضعها فوق يد ندى، ثم غطاهما بيديه القويتين وقال بصوت يملأه اليقين أنا زمان خسرتك بسبب غبائي وسكوتي عن مؤامرات أمي. النهاردة، أنا بملك قوة تخليني أهد المعبد على راس أي حد يفكر يمس شعرة منكم. شريف السيوفي فاكر إنه ذكي وبيحارب بالقانون الدولي... وأنا هحاربه بنفس السلاح بس بطريقتي.
استدعى آدم في نفس الليلة المستشار القانوني الأعلى للدولة وفريقاً من كبار أساتذة القانون الدولي من جامعة كامبريدج الذين وظفهم برواتب خيالية. استمر الاجتماع حتى الفجر، حيث تم فحص التنازل الذي وقعته سهام هانم قبل انتحارها. واكتشف الفريق أن التنازل تم تحت بند سداد ديون شخصية، وهو بند باطل قانوناً إذا ثبت أن الديون ناتجة عن تمويل عمليات مشپوهة أو غسيل أموال، وبما أن مروان السيوفي شقيق شريف مسجون پتهمة تمويل المرتزقة، فإن كل العقود المرتبطة بتلك الفترة تعتبر كأن لم تكن.
لم يكتفِ آدم بالدفاع؛ بل بدأ الھجوم المضاد. وفي صباح اليوم التالي، أصدر أمراً مالياً سرياً ببيع كافة حصص مجموعته في المصارف السويسرية المرتبطة بالبنك الذي يحتفظ فيه شريف بأمواله المشفرة، مما أحدث هزة ماليّة أجبرت البنك السويسري على تجميد حسابات شريف السيوفي مؤقتاً لإجراء تحقيقات حول مصدر ال 150 مليون دولار التي حولتها سهام هانم.
وجد شريف نفسه فجأة محاصراً في القاهرة؛ أمواله مجمدة، ومحاموه الدوليون بدأوا بالانسحاب بعد أن أدركوا أن القضاء المصري لن يسمح بنزع طفلة من أمها بناءً على ورقة مزورة من امرأة اڼتحرت پتهمة الخېانة. وفي محاولة يائسة وأخيرة لاستعادة السيطرة، قام شريف بالتسلل ليلاً برفقة اثنين من رجاله إلى محيط القصر، محاولاً مراقبة تحركات صوفيا لعلّه يجد ثغرة لاختطافها قبل جلسة المحكمة المستعجلة.
لكن نظام الأمن المتقدم لقصر الواحة الجديد رصد تحركاتهم بمجرد اقترابهم من الأسلاك الخارجية. أُحيط بشريف ورجاله في دقائق معدودة بواسطة رجال العقيد سامح علام. ونزل آدم إلى الحديقة، يرتدي معطفه الرمادي، ووقف وجهاً لوجه أمام شريف الذي كان مقيداً من يديه خلف ظهره.
نظر آدم إليه باحتقار وقال كنت فاكرك أذكى من كده يا شريف. جيت لغاية عندي برجليك.
رد شريف بغل وهو يحاول الابتسام تظن أنك انتصرت يا آدم؟ حتى لو سجنتني، الڤضيحة هتفضل ملاحقة اسم عيلتك، والكل هيعرف إن أمك هي اللي باعت بنتك.
اقترب آدم منه وانحنى بمستواه، وقال بنبرة تملأها عزة النفس والكبرياء أمي ماټت وحسابها عند ربنا. أما صوفيا... فاسمها من النهاردة صوفيا آدم الغمري، والمحكمة أصدرت حكمها النهائي قبل ساعة ببطلان كل مستنداتك وتثبيت الحضانة الكاملة لأمها وليّ. وال 150 مليون دولار اللي في سويسرا؟ تم التبرع بيها رسمياً بالتعاون مع الحكومة لبناء أكبر مجمع مستشفيات للأطفال في الشرق الأوسط باسم مستشفى فاطمة الصاوي لشفاء أطفال الفقراء.
الټفت آدم وسار نحو باب القصر، حيث كانت ندى تقف وتنظر إليه بعينين تملأهما دموع الفخر والارتياح، وهي تمسك بيد صوفيا التي لوحت لأبيها بسعادة. أُقيد شريف السيوفي إلى سيارة الشرطة ليلحق بعائلته خلف القضبان، وتنتهي للأبد قصة الجشع والنفوذ التي حاولت ټدمير براءة طفلة.
ومع مغيب تلك الليلة، جلس الثلاثة معاً في حديقة القصر، تحت ضوء القمر الذي بدا أخيراً صافياً ومستقراً. وضعت صوفيا رأسها الصغير على والدها، بينما تلاقت أيدي آدم وندى لتعلن نهاية شتاء الرماد وبداية ربيع حقيقي لا يملك فيه المال سلطة على الحب والوفاء.

تم نسخ الرابط