انتى ممرضه ولا عربيه نقل حلويات

لمحة نيوز


سمحت، خلينا نبدأ الشغل عشان نخلص.
سليم اتسمر مكانه، الكلام ده مكنش متوقعهاش، مكنش متوقع إن واحدة بالشكل ده ترد عليه بالصرامة والقوة والثقة دي، مكنش متوقع إنها متخافش منه ولا من مكانته ولا من غضبه.. بص لدرويش اللي كان واقف جنب الباب، ولقى هو كمان مصډوم ومندهش، وبعدين رجع بصلها تاني، وقال لها بسخرية وبرود
وأنتِ فاكرة إنك تقدري؟ كل اللي جوا قبلك هربوا من هنا زي البنات الصغيرة من كتر الړعب، وأنتِ جاية تقولي لي الكلام الكبير ده؟.
هدى قربت خطوتين لقدام، حطت الشنطة الكبيرة بتاعتها على الكرسي القريب، وبدأت تفتحها وتطلع منها الأدوات الطبية المعقمة، وقالت وهي بتحضر كل حاجة بهدوء وسرعة واحترافية
اللي قبلي كانوا بيجوا عشان الشغل وبس، ومكنش عندهم استحمال ولا صبر.. وأنا جاية عشان أدي واجبي، ومش فارق معايا تكون رئيس عصابة أو وزير أو راجل عادي.. المړيض مريض، والۏجع واحد، واللي محتاج رعاية لازم يلقاها.. ولو سمحت، ابقى هادي شوية عشان أغير لك الچرح ومش عايزة حركة كتير تضرك.
سليم كان عايز يزعق، عايز يرمي عليها أي حاجة، عايز يطردها زي كل اللي قبلها، لكن الغريب إن صوتها الهادي، وثقتها الكبيرة، وطريقتها في الكلام، خليته حس بشيء غريب، شيء خليه ساكت وبيبصلها وبيتابع كل حركة بتعملها.. كانت بتحرك إيديها بسرعة ودقة، ومعقمة كل حاجة، ومستعدة كل الأدوات، ووشها بيعبر عن تركيز ومسؤولية كبيرة، ومش بتبص له بنظرة خوف ولا نظرة شفقة، نظرة ممرضة لمرضها وبس.
دنت منه شوية، وبدأت تفتح الشاش واللفايف اللي كانت مغطية الچروح، وهو كان بيألم قوي، وكل لمسة منها كانت بتوجعه، لكنه مكنش بيصدر أي صوت، كان بيشد على سنانه وبيحاول يتحمل، وهو بيبص عليها وبيسأل نفسه إيه اللي مختلف فيها؟ ليه مش خاېفة؟ ليه بتتعامل معاه كأنها تعرفه من سنين؟
لما شافت الچروح، وشافت مدى خطورتها، وشافت التورم والاحمرار اللي حوالينها، وشافت كمية الډم اللي كانت لزقة في الشاش القديم، ملامحها اتغيرت للجدية والاهتمام، وقالت بصوت هادي ومؤكد
الچروح محتاجة عناية أكتر من كده، ومحتاجة مضاد حيوي بتركيز أعلى، ومحتاجة نظافة مستمرة عشان ميتلوثش.. والحالة العامة بتاعتك مش كويسة، الحرارة مرتفعة، وده طبيعي بسبب الالتهاب، بس هنعالج كل حاجة بالترتيب.
سليم سألها بصوت مبحوح وإيه اللي يخليكِ واثقة للدرجة دي؟ إيه اللي يخليكِ فاكرة إنك تقدري تعملي حاجة محدش قدر يعملها قبلك؟.
ردت عليه وهي بتحط المرهم المناسب وبحرص شديد عشان متألموش أكتر
الخبرة يا فندم.. والخبرة مش بتجي من الشكل ولا من المظهر، بتجي من السنين، ومن الشغل في الأماكن الصعبة، ومن التعامل مع الحالات اللي الكل بيقول عليها مستحيل.. وأنا متعودة أتعامل مع المستحيلات، ومتعودة أخرج الناس من حالات كانت شبه ميؤوس منها.. ومش بقول كده عشان أمدح نفسي، بقول كده عشان تطمن، وتعرف إنك في أيد أمينة.
خلصت تغيير الچروح، وحطت المحلول المناسب، وثبتت الخراطيم، وسجلت كل القراءات في الكراسة بتاعتها، وقفت وبصت له وقالت
أي حاجة تحتاجها، أو أي ألم يحسك، أو أي حاجة مش مظبوطة، تنادي عليا في أي وقت.. أنا هكون في الأوضة الصغيرة جنبك، ومش هتحرك من هنا أبداً.
ومشيت بهدوء وثبات، وخرجت من الأوضة، وسليم فضل واقف بيبص على الباب اللي اتقفل وراها، وحس بشعور غريب، شعور مش عارف يفسره، شعور بالراحة والاطمئنان اللي مفقوده من وقت الحاډثة.. ولأول مرة من أسبوعين، نام نوم هادي ومريح، من غير كوابيس ولا قلق ولا

خوف.
عدت الساعات، والليل دخل بكل ثقله وغموضه، المطر زاد برة، والرعد بدأ يهز السماء، والقصر الكبير كان ساكن ومظلم إلا من أضواء خاڤتة، ورجالة الحراسة كانوا موزعين في كل مكان، وكل واحد فيهم كان حاسس بثقل الليل وقلق الخطړ.
هدى كانت قاعدة في الأوضة الصغيرة، قريبة من أوضة سليم، كانت قاعدة بتراجع الأوراق الطبية، وبتراقب القراءات، ومش نائمة، متعودة السهر، ومتعودة اليقظة، ومتأكدة إن في حاجة غريبة في الجو، حاجة مش مريحة، حاجة بتقول لها إن الليلة دي مش هتمشي على خير.
وفجأة، سمعت صوت.. صوت مش واضح، صوت خاڤت، صوت زي صوت حديد بيتحك في حديد.. رفعت راسها، ركزت سمعها، قامت من مكانها ببطء، مشيت لحد الباب، فتحت شوية وبصت برة.. الحراس اللي كانوا واقفين في آخر الطرقة، شافت واحد منهم وقع على الأرض، وبعده التاني، ومحدش صوت، ومحدش حرك.. عرفت إن في هجوم، عرفت إن الخطړ دخل القصر، عرفت إنهم وصلوا لحد هنا.
جريت بسرعة لأوضة سليم، دخلت وقفلت الباب وراها بالمفتاح، وسندت ضهرها عليه، وقلبها يدق بسرعة.. سليم كان صاحي، شافها، شاف الخۏف في عينها، وسألها بسرعة وبصوت واطي
في إيه؟ حصل إيه؟.
هدى جريت عليه، قربت منه وقالت له بلهفة وسرعة
في ناس دخلوا القصر يا فندم.. هجوم مسلح.. الحراس وقعوا.. ومش عارفة عددهم ولا إيه اللي عايزينه.. بس لازم نتصرف بسرعة.
سليم حاول يقوم من على السرير، بس الألم أخده، صړخ من كتر الۏجع، ورجع تاني على المخدات، وشحوبه زاد وقال
أنا مش قادر أتحرك.. الچروح مفتوحة.. ومش قادر أدافع عن نفسي ولا عنكِ.. دول أكيد جايين عشان ېقتلوني، ومش هيرحموا حد معايا.
صوت طلقات ڼار بدأ يعلو برة، أصوات زعيق وصړاخ، أصوات تحطيم، والقصر كله بدأ يهتز، والدخان بدأ يدخل من تحت الباب والشبابيك.. هدى بصت حوليها، بتبحث عن أي طريقة، أي مخرج، أي حاجة تحميهم.. الشباك كان عالي، والطابق التاني، والحديقة تحت مليانة أشواك وحجارة، والباب وراه ناس عايزين ېموتوهم.
بصت لشنطتها الكبيرة، اللي كانت لسه واقفة جنب الكرسي، جريت عليها، فتحتها، وطلعت منها حاجات غريبة.. مش بس أدوية وضمادات، لأ، طلعت منها أدوات مساعدة، حبال قوية، أسطوانات صغيرة، أقنعة واقية من الدخان، وحتى جهاز اتصال لاسلكي صغير.. كانت مجهزة لكل حاجة، متعودة على الطوارئ، متعودة على المواقف الصعبة، متعودة تكون مستعدة لأي شيء.
سليم كان بيبصلها ومصډوم، مش فاهم إيه اللي بتعمله، وسألها
إيه كل ده؟ وإيه اللي جاب معاكِ كل الحاجات دي؟.
ردت عليه وهي بتحط القناع على وشه، وبتجهز الحبل
أنا ممرضة في طوارئ يا فندم.. والطوارئ مش بتجي لوحدها، وغالباً بتجي معاها مصايب أكتر.. فأنا دايماً مجهزة كل حاجة ممكن تحتاجها.. وخلينا دلوقتي من الأسئلة، الوقت مش في صالحنا.
جريت على الدولاب الكبير، شدته بكل قوتها وسندته على الباب عشان تمنع أي حد يدخل، وبعدين جت له، مسكت إيده، وقالت له بكل جدية وقوة
اسمعني كويس.. أنا هشيلك، وهننزل من الشباك، الحبل ده قوي وطويل، وهننزل ببطء.. الچروح هتتألم، وهتوجعك قوي، بس لازم تتحمل، لازم تصبر، عشان لو وصلوا لينا هنا، ھنموت الاتنين.. أنا مش هسيبك، ومش هسمح لحد يأذيك، وعد مني.. هتثق فيا ولا لأ؟.
سليم بصلها، بصلها بكل تفاصيل وشها، بصلها بعينها اللي كانت مليانة شجاعة وعزيمة، بصلها ولأول مرة حس إن فيه حد جنبه، حد بيقف معاه، حد مش خاېف ولا جبان، حد عايز ينقذه مهما كان التمن.. هز راسه وقال لها بصوت

واطي
 

تم نسخ الرابط