طلبوا منى اقعد مع حفيدى
وصوته وهو بيناديني تيتة كان كفاية يخليني أنسى أي تعب.
لكن الحقيقة إن بعض القصص ما بتنتهيش لما الأزمة تخلص.
بالعكس...
أحيانًا الأزمة الحقيقية بتبدأ بعد ما الكل يفتكر إن كل شيء انتهى.
بسبب حالته النادرة، بقى لازم يتابع مع الأطباء باستمرار. تحاليل وفحوصات وزيارات دورية للمستشفى.
وفي كل مرة كنا بنروح فيها، كنت بشوف نفس النظرة في عيون أبوه وأمه.
الخۏف.
الخۏف من مكالمة مفاجئة.
الخۏف من كدمة صغيرة.
الخۏف من سقوط عادي ممكن يحصل لأي طفل.
كانوا بيعيشوا طول الوقت على أعصابهم.
وفي يوم من الأيام، وبعد ما بلغ 3 سنين تقريبًا، حصل شيء غريب جدًا.
كنت قاعدة عندهم في البيت.
والطفل كان بيلعب في أوضته.
وفجأة سمعته بيكلم حد.
في الأول افتكرت إنه بيلعب بخياله.
كل الأطفال بيعملوا كده.
لكن لما قربت من باب الأوضة سمعت كلامه بوضوح.
كان بيقول
لا... تيتة بتزعل لما أعمل كده.
سكت شوية.
وبعدين قال
ما ينفعش.
وقتها دخلت الأوضة.
لقيته قاعد لوحده.
مفيش حد.
ولا لعبة بيتكلم معاها.
ولا تلفزيون مفتوح.
سألته
بتكلم مين يا حبيبي؟
بص لي وابتسم.
وقال
الراجل.
ضحكت وافتكرت إنه بيتخيل.
قلت له
أنهي راجل؟
قال بكل بساطة
الراجل اللي بيجي يقعد هنا.
وأشر ناحية الركن الفاضي من الأوضة.
حسيت بقشعريرة خفيفة.
لكن ما اهتمتش.
الأطفال خيالهم واسع.
وعدّى الموضوع.
لكن بعدها بأيام قليلة حصلت حاجة أغرب.
كنا كلنا قاعدين على السفرة بنتعشى.
وفجأة الطفل بص ناحيتي وقال
تيتة... انتي أنقذتيني.
سكتنا كلنا.
أبوه ضحك وقال
مين قالك كده؟
الولد رد بمنتهى الجدية
أنا فاكر.
الأب والأم بصوا لبعض.
وأنا حسيت بقلبي بيدق أسرع.
لأن الطفل كان عمره
وقت الحاډثة شهرين فقط.
مستحيل يفتكر أي حاجة.
لكن كلامه ما وقفش.
قال
كنت بعيط قوي.
وبعدين حط إيده الصغيرة على بطنه.
وقال
وهنا كان بيوجعني.
الصمت نزل على المكان كله.
أمه شحب لونها.
وأبوه فقد ابتسامته.
أما أنا فكنت حاسة إن نفسي اتقطع.
لأن الجملة دي تحديدًا...
ما حدش عمره حكاها له.
ولا وصف له مكان الکدمة.
ولا حتى قال قدامه تفاصيل اللي حصل.
حاول أبوه يغير الموضوع.
لكن الولد كمل.
وقال
وبعدين تيتة خدتني العربية بسرعة.
هنا أم الطفل بدأت تبكي.
لأن التفاصيل اللي كان بيقولها كانت مستحيل يكون عرفها.
مستحيل.
بعدها بكام يوم، أخدوه لدكتور أطفال متخصص.
الدكتور قال إن أحيانًا الأطفال بيكون عندهم ذاكرة حسية مبكرة جدًا.
وإن بعض الأحداث الصاډمة بتترك أثر غريب في العقل.
لكن حتى الدكتور نفسه اعترف إن دقة التفاصيل كانت غير معتادة.
عدت الشهور.
وكبر الطفل أكتر.
وبدأت ذكريات الحاډثة تختفي من كلامه تدريجيًا.
لكن الشيء الوحيد اللي ما اختفاش أبدًا...
كان تعلقه بيا.
في أي مناسبة.
في أي تجمع.
في أي مكان.
كان أول شخص يدور عليه هو أنا.
ولو زعل.
يجري عليّ.
ولو فرح.
يجري عليّ.
ولو اټخانق مع أصحابه.
يجري عليّ.
لدرجة إن أبوه كان بيضحك ويقول
أنا مجرد موظف عند ابني... المدير الحقيقي هي تيتة.
وكنا نضحك كلنا.
لحد اليوم اللي قلب حياتنا من جديد.
كان عمره وقتها خمس سنين.
ورجع من المدرسة هادي بشكل غريب.
مش بيلعب.
مش بيتكلم.
مش بيجري.
قعد على الكنبة ساكت.
ولما سألت أمه قال لها
أنا تعبان.
في البداية افتكرنا إرهاق.
لكن بعد ساعات بدأت الحرارة تعلى.
وبدأ يشتكي من ۏجع شديد.
وأمه اتصلت بالطبيب.
والطبيب طلب يشوفه فورًا.
دخلنا المستشفى مرة تانية.
نفس الممرات.
نفس الرائحة.
نفس الخۏف القديم اللي افتكرنا إنه انتهى.
وبينما كنا قاعدين مستنيين النتائج...
لقيت ابني قاعد جنبي.
وشه شاحب.
وعينيه مليانة دموع.
زي بالضبط اليوم اللي كان فيه ابنه رضيع.
بص لي وقال بصوت مكسور
أنا مش مستحمل فكرة إني أخسره.
مسكت إيده.
وقلت
مش هيحصل.
قال
إزاي متأكدة؟
بصيت ناحيته.
وقلت
لأن ربنا اللي أنقذه أول مرة... قادر ينقذه ألف مرة.
ساعتها نزلت دموعه.
لأول مرة من سنين.
ولأول مرة فهمت إن الأب مهما كبر...
يفضل طفل صغير لما يتعلق الأمر بأولاده.
وبينما كنا قاعدين في الانتظار...
فتح الطبيب باب الغرفة.
وبص علينا جميعًا.
وقال
النتائج وصلت... لكن اللي اكتشفناه المرة دي محدش فينا كان متوقعه...