الافعى ميمونه
الممر المظلم خارج الغرفة.
وبعد ثوانٍ
ظهر رجل.
كان يرتدي جلبابًا أسود مبللًا بالمطر، ووجهه نصف مخفي تحت الظل.
لكن سكينة عرفته فورًا.
حمزة
ابن عمها.
الرجل الذي حاول بعد وفاة والدها أن يجبرها على بيع البيت، وعندما رفضت، اختفى سنوات كاملة.
ابتسم ابتسامة باردة وهو يخرج سكينًا طويلًا من تحت ثيابه وقال كان لازم توافقي من زمان البيت ده فيه اللي يخلّي ناس تقتل عشانه.
شعرت سكينة بالدوار.
ماذا تريد؟!
ضحك بخفوت وقال أبوكِ ما كانش مروّض أفاعي وبس كان بيخبّي حاجة أغلى من الذهب.
ثم أشار إلى ميمونة بعينيه والغبية دي لسه بتحرس السر حتى بعد موته.
تذكرت سكينة فجأة كلمات قديمة كان والدها يرددها دائمًا ميمونة لا تحرس البيت ميمونة تحرس الأمانة.
اقترب حمزة خطوة أخرى.
وفي ثانية خاطفة، انطلقت الأفعى نحوه بسرعة مرعبة.
صرخ الرجل وهو يحاول طعنها، لكن ميمونة التفّت حول جسده بعنف وأسقطته أرضًا، ثم غرست أنيابها في عنقه.
بدأ يتخبط ويصرخ بشكل هستيري بينما كانت سكينة ترتجف في زاوية الغرفة.
لكن وسط الفوضى
شعرت بألم حاد أسفل بطنها.
ثم سائل دافئ يسيل بين قدميها.
اتسعت عيناها برعب.
لقد بدأت الولادة.
انهار حمزة على الأرض، وجسده يرتعش من السم، بينما كانت سكينة تصرخ من الألم وحدها داخل البيت القديم.
أما ميمونة
فتركت الرجل المحتضر، وزحفت ببطء نحو سكينة.
ثم توقفت قربها تمامًا.
وللمرة الأولى منذ سنوات
خفضت رأسها على الأرض بهدوء، كأنها تنحني.
وبينما كانت سكينة تلهث من شدة الطلق، لاحظت شيئًا غريبًا يلمع تحت رقبة الأفعى.
سلسلة جلدية قديمة.
لم تكن موجودة من قبل.
وبداخلها
مفتاح صغير صدئ.
كانت آلام الولادة تمزق جسد سكينة، لكن عينيها ظلتا معلقتين بذلك المفتاح المتدلي من عنق ميمونة.
مدّت يدها المرتجفة نحوه.
ولدهشتها لم تتحرك الأفعى هذه المرة.
بل بقيت ساكنة تمامًا، كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ سنوات.
نزعت سكينة السلسلة بصعوبة، وفي اللحظة نفسها سمعت حمزة يهمس بصوت متقطع وهو يحتضر على الأرض
القبو تحت النافورة
ثم انقلب جسده بلا حراك.
تجمدت أنفاسها.
القبو؟
تذكرت فورًا أن والدها كان يمنع أي شخص من الاقتراب من النافورة القديمة وسط الفناء، وكان يقول دائمًا بعض الأبواب لو انفتحت ما تتقفلش تاني.
لكنها لم تملك وقتًا للتفكير.
الطلق أصبح أعنف.
والبيت غارق في الظلام والمطر.
حاولت الوصول إلى هاتفها، إلا أن موجة ألم قوية أسقطتها على الأرض.
صرخت باكية ساعدني يا رب
وفجأة
تحركت ميمونة.
زحفت بسرعة خارج الغرفة، واختفت في الممر.
بعد دقائق فقط، دوى نباح هستيري في الخارج، ثم أصوات رجال يركضون.
كان الجيران.
الأفعى خرجت إلى الشارع وسط المطر وأثارت فوضى كاملة، حتى انتبه الناس لوجود شيء خطير داخل البيت.
اقتحمت نساء الحي المنزل أولًا، وخلفهن رجلان حملا ياسين الذي عاد من المستشفى فور سماعه الخبر.
وعندما دخلوا الغرفة
تجمد الجميع.
حمزة ميت على الأرض، والدم منتشر قربه.
وسكينة تصرخ من الولادة.
أما ميمونة
فكانت ملتفة حول زاوية الغرفة بصمت، تراقب كل شيء دون أن تؤذي أحدًا.
بعد ساعات طويلة، ومع اقتراب الفجر
وُلد الطفل.
ولد صغير ببشرة شاحبة وعينين واسعتين بشكل غريب.
وحين حملته القابلة لأول مرة، ساد الصمت فجأة داخل الغرفة.
لأن الطفل لم يبكِ.
بل فتح عينيه مباشرة.
ونظر نحو ميمونة.
وفي اللحظة نفسها، رفعت الأفعى رأسها ببطء شديد، ثم اقتربت من السرير.
صرخ الجميع بخوف، لكن سكينة منعتهم.
كانت تشعر بشيء لا تفهمه شيء يجعلها متأكدة أن ميمونة لن تؤذي طفلها.
اقتربت الأفعى أكثر
ثم لمست جبين الطفل بطرف لسانها للحظة واحدة فقط.
وبعدها مباشرة
أطلقت هسهسة طويلة منخفضة، قبل أن تستدير مبتعدة نحو الفناء.
لكنها توقفت عند النافورة القديمة.
وبدأت تضرب الأرض بذيلها بعنف.
مرة اثنتين ثلاثًا
نظر ياسين إلى سكينة بتوتر المفتاح
أخرجت السلسلة من قبضتها المرتجفة.
وبعد ساعات، عندما أشرقت الشمس أخيرًا، اجتمع رجال الحي حول النافورة.
رفعوا البلاط الحجري القديم بصعوبة
لتظهر تحته فتحة حديدية صدئة.
نظر الجميع إلى بعضهم بخوف.
ثم أدخل ياسين المفتاح في القفل.
صدر صوت طَقّة معدنية ثقيلة
وانفتح الباب ببطء.
خرج من القبو هواء بارد خانق، ورائحة عتيقة تشبه التراب والرطوبة.
نزل ياسين أولًا حاملاً مصباحًا.
ثم توقف فجأة في منتصف الدرج.
وشحب وجهه بالكامل.
صرخ من الأسفل يا الله
ركضت سكينة نحوه وهي تحمل طفلها.
وحين وصلت
كادت ساقاها تخونانها من هول ما رأت.
القبو لم يكن مخزنًا للذهب.
ولا كنزًا.
بل غرفة حجرية ضخمة
ممتلئة بهياكل عظمية بشرية قديمة.
وعلى الجدار الأمامي مباشرة، كُتبت جملة باللون الأحمر الداكن
ميمونة لا تحرس الكنز
ميمونة تحرس الباب.
ساد صمت ثقيل داخل القبو، لا يُسمع فيه سوى صوت تنفّس ياسين المتسارع وصوت الطفل الذي بدأ يئن لأول مرة منذ ولادته.
تراجعت سكينة خطوة للخلف وهي تهمس الباب باب إيه؟
لكن قبل أن يجيب أحد
صدر صوت احتكاك قوي من أعلى الدرج.
كل الأنظار اتجهت فورًا.
كانت ميمونة.
لكنها لم تكن تتحرك كالأول.
كانت تنزل الدرج ببطء شديد، وكأنها تعرف الطريق منذ زمن بعيد.
توقفت عند عتبة القبو، ورفعت رأسها نحو الجدار المكتوب عليه.
ثم فعلت شيئًا لم يره أحد من قبل
انحنت.
انحناءة كاملة، طويلة، أمام الجدار.
كأنها تحيي شيئًا.
وفي نفس اللحظة، بدأ الطفل يبكي فجأة.
بكاء حاد، غريب، يهزّ الغرفة.
ثم حدث ما جعل الدم يتجمد في عروق الجميع
العظام داخل القبو بدأت تتحرك.
صوت خفيف ثم تكسير عظم قديم.
واحدة من الهياكل العظمية رفعت يدها.
ثم أخرى.
ثم بدأ القبو كله يئن كأنه يستيقظ من نوم طويل جدًا.
صرخ أحد رجال الحي اقفلوا الباب!! بسرعة!
لكن المفتاح لم يعد يعمل.
القفل كان يدور في مكانه بلا أي مقاومة وكأنه لم يعد موجودًا أصلًا.
في الأعلى، ارتفع صوت ميمونة بهسهسة طويلة لكن هذه المرة لم تكن عدوانية.
كانت أشبه بنداء.
نداء ردّ عليه شيء من الداخل.
من أعماق القبو.
شيء لم يخرج بعد.
اقتربت سكينة وهي تحتضن طفلها بقوة، وعيونها لا تفارق الجدار المكتوب.
ثم قرأت الجملة مرة أخرى ببطء
ميمونة لا تحرس الباب
ميمونة تحرس من خلف الباب.
وفجأة
انطفأ الضوء الوحيد في القبو.
وانتهى كل شيء في ظلام كامل.