الافعى ميمونه
تنام امرأة حامل بجوار أفعاها الأليفة الضخمة كل ليلة، وكانت الأفعى تلتف دائمًا حول بطنها دون أن تبتعد عنه ولو لثانية واحدة لكن أثناء فحص متابعة الحمل، رأت الطبيبة شيئًا غريبًا على شاشة الموجات فوق الصوتية، وكادت تُسقط الجهاز بسبب ما رأته.
في أحد أحياء مراكش القديمة، كانت سكينة تعيش داخل بيتٍ مغربي ورثته عن والدها الراحل الحاج العربي، الرجل الذي اشتهر لسنوات طويلة بترويض الأفاعي في ساحة جامع الفنا.
ومنذ طفولتها، لم تخف سكينة يومًا من الثعابين، فقد كبرت وهي تراها تتحرك بحرية داخل الفناء المزخرف بالزليج، بينما يجلس والدها في المساء يعدّ الشاي المغربي ويحكي للناس قصصًا غريبة عن الزواحف والسموم.
لكن بعد وفاة والدها، بقيت أفعى ضخمة داخل المنزل.
أفعي هائلة اسمها ميمونة.
كان معظم الجيران يخشون الاقتراب من البيت بسببه، حتى إن بعض النساء في الحي كنّ يهمسن دائمًا بأن وجود أفعى بهذا الحجم داخل منزل فيه امرأة يجلب النحس، لكن سكينة لم تكن تهتم بكلام أحد.
كانت تعتبر ميمونة جزءًا من العائلة، خصوصًا أنها عاشت معهم قرابة عشر سنوات ولم تؤذِ أحدًا يومًا.
وعندما حملت سكينة بطفلها الأول، حاول زوجها ياسين إقناعها بالتخلص من الأفعى أو إرسالها إلى مركز خاص بالحيوانات، لكنها رفضت بشدة.
قالت له بثقة
ميمونة أهدأ من كثير من البشر.
مرت الشهور الأولى بهدوء.
وفي كل مساء، كانت سكينة ترتدي قفطانها المنزلي، وتجلس في الفناء تحت الضوء الأصفر الخافت، بينما تغلي أباريق الشاي وتتصاعد رائحة النعناع في المكان، أما الأفعى فكانت تزحف ببطء حولها كعادتها.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث بعد الشهر الخامس من الحمل.
كل ليلة، كانت ميمونة تصعد إلى السرير وتستلقي قرب بطن سكينة مباشرة.
أحيانًا كانت تلتف حول بطنها بالكامل لساعات طويلة دون أن تتحرك، وكأنها تحرس شيئًا لا يراه أحد.
في البداية، ضحكت سكينة من الأمر.
حتى إنها صورت عدة مقاطع بهاتفها ونشرتها على فيسبوك، فانهالت التعليقات بين من يراها لقطة لطيفة، ومن يكتب بخوف
أبعديها عنكِ الأفاعي لا تفعل شيئًا بلا سبب.
لكن بعد أسابيع قليلة، بدأ سلوك ميمونة يتغير بشكل مخيف.
توقفت تقريبًا عن الأكل.
اشترى ياسين لها الدجاج والأرانب أكثر من مرة، لكنها لم تلمس الطعام أبدًا، فقط كانت تحدق طويلًا ثم تزحف مبتعدة ببطء.
ورغم ذلك
لم تتوقف عن النوم قرب بطن سكينة.
بل أصبحت أكثر تعلقًا بها من أي وقت مضى.
وفي إحدى الليالي، استيقظ ياسين فجأة على صوت حركة فوق السرير.
فتح عينيه ليرى الأفعى ممددة بالكامل بمحاذاة جسد زوجته الحامل، من صدرها حتى قدميها، وكأنها تقيس طولها بدقة.
شعر برعب حقيقي لأول مرة.
اقترب بسرعة محاولًا إبعادها، لكن ميمونة رفعت رأسها فجأة وأطلقت هسهسة حادة جعلته يتراجع للخلف فورًا.
لم تفعل ذلك من قبل أبدًا.
وفي صباح اليوم التالي، ذهبت سكينة إلى موعدها المعتاد عند الطبيبة في إحدى العيادات الخاصة بمراكش.
جلست مبتسمة وهي تراقب شاشة الموجات فوق الصوتية، بينما كانت الطبيبة تمرر الجهاز فوق بطنها بهدوء.
لكن بعد ثوانٍ قليلة
اختفت الابتسامة من وجه الطبيبة تمامًا.
وشحبت ملامحها فجأة، وبدأت يدها التي تمسك جهاز الفحص ترتجف قليلًا، ثم سألت سكينة مرة أخرى في أي شهر من الحمل كانت، قبل أن تعود للتحديق في الشاشة من جديد دون أن تنطق.
شعرت سكينة بالخوف وسألت بسرعة
هل هناك خطب ما مع طفلي؟
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة
ثم همست الطبيبة بصوت منخفض جعل الدم يتجمد في عروق سكينة
هذه الأفعى لا تحاول حماية جنينك
ثم رفعت الطبيبة عينيها ببطء نحو سكينة، وهمست
إنها تُجَوِّع نفسها استعدادًا لابتلاع شيءٍ بحجم معيّن والأفاعي تفعل هذا أحيانًا عندما تختار فريستها التالية.
شعرت سكينة وكأن الغرفة تدور بها.
ضحكت بتوتر وهي تهز رأسها لا مستحيل، ميمونة لا تؤذيني، هي تعيش معي منذ سنوات.
لكن الطبيبة لم تضحك.
أدارت شاشة الجهاز نحوها، ثم أشارت إلى صورة الجنين داخل الرحم وقالت انظري هنا رأس الطفل، وهنا العمود الفقري كل شيء طبيعي.
ثم سحبت صورة أخرى التقطتها الممرضة قبل دقائق وقالت بصوت مرتجف لكن هذا ما أخافني
كانت الصورة تُظهر ضغطًا غريبًا ومتكررًا على جدار البطن الخارجي، كأن جسدًا طويلًا يلتف حوله كل ليلة بنفس القياس تقريبًا.
وأضافت الطبيبة الأفعى لا تعانقك هي تقيس حجم الطفل.
خرجت سكينة من العيادة وقلبها يرتجف.
طوال الطريق، كانت تحاول إقناع نفسها أن الطبيبة تبالغ، وأن كل ما يحدث مجرد خرافات قديمة عن الثعابين.
لكن حين عادت إلى البيت
وجدت ميمونة بانتظارها عند باب الغرفة.
ساكنة تمامًا.
رأسها مرفوع، وعيناها مثبتتان مباشرة على بطنها.
وفي تلك الليلة، ولأول مرة منذ سنوات، أغلقت سكينة باب غرفة النوم ومنعت الأفعى من الدخول.
ظلت تسمع صوت احتكاك جسدها بالأرض خلف الباب لساعات
زحفًا بطيئًا مستمرًا.
ثم
حلّ الصمت فجأة.
عند الثالثة فجرًا، استيقظت سكينة على إحساس بارد فوق قدميها.
فتحت عينيها ببطء
لتجد ميمونة فوق السرير.
لكن الباب كان لا يزال مغلقًا.
تجمّد الدم في عروقها.
كانت الأفعى ممددة بمحاذاة جسدها بالكامل مرة أخرى لكن هذه المرة، فمها مفتوح قليلًا بشكل مرعب، وفكّها يتحرك ببطء كأنها تجرّب اتساعه.
صرخت سكينة بعنف، فاستيقظ ياسين وقفز نحو الأفعى وهو يجرّها بعصا معدنية بعيدًا عن السرير.
ولأول مرة منذ عرفها
هاجمته ميمونة فعلًا.
انقضّت بسرعة رهيبة وغرست أنيابها في كتفه قبل أن يتمكن من رميها داخل الفناء وإغلاق الباب عليها.
نُقل ياسين إلى المستشفى، بينما بقيت سكينة تبكي وهي تحتضن بطنها المرتجف.
لكن الرعب الحقيقي بدأ بعد يومين.
اختفت ميمونة.
فتّشوا البيت كله، الفناء، السطح، المخزن القديم ولم يجدوها.
وفي الليلة نفسها، انقطع التيار الكهربائي عن الحي.
جلست سكينة وحدها في غرفتها المظلمة، تسمع صوت المطر فوق النوافذ الخشبية القديمة.
ثم
سمعت صوتًا خافتًا تحت السرير.
صوت احتكاك ثقيل
بطيء
ممتد.
حبست أنفاسها.
وانحنت قليلًا لتنظر.
في البداية لم ترَ شيئًا، فقط الظلام.
ثم انعكس ضوء البرق للحظة داخل الغرفة
فظهر رأس ميمونة مختبئًا تحت السرير، وعيناها اللامعتان مثبتتان مباشرة على بطنها المنتفخ.
لكن الشيء الذي جعل سكينة تكاد تفقد عقلها
أن بطن الأفعى نفسها كان منتفخًا بشكل غريب، وكأن بداخلها شيء يتحرك.
تراجعت سكينة للخلف وهي تكتم صرختها بيديها.
كان بطن ميمونة ينتفخ وينكمش ببطء كأن شيئًا حيًا يتحرك داخله.
وفي اللحظة التالية، انزلقت الأفعى ببطء من تحت السرير، ثم توقفت في منتصف الغرفة ورفعت رأسها نحو سكينة.
لم تهاجمها.
بل ظلت تحدق فيها فقط.
ثم حدث شيء أغرب من كل ما سبق
بدأت ميمونة تضرب ذيلها بالأرض ثلاث مرات متتالية.
طق طق طق
تجمدت سكينة فجأة.
هذا الصوت تعرفه جيدًا.
كان والدها الحاج العربي يفعل الشيء نفسه دائمًا بعصاه الخشبية عندما يريد تحذيرها وهي صغيرة.
ثلاث ضربات تعني لا تقتربي هناك خطر.
ارتعش جسدها بالكامل.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت ارتطام قوي من الفناء الخارجي.
ثم صوت زجاج يتحطم.
قفز قلبها من مكانه.
ظنت أن أحدًا اقتحم المنزل، خصوصًا أن زوجها ما زال في المستشفى.
تراجعت نحو الباب، لكن ميمونة اندفعت فجأة أمامها وأغلقت الطريق بجسدها الضخم، ثم أطلقت هسهسة عنيفة باتجاه