تركنى زوجى

لمحة نيوز

رفعت نظرها بغضب مكتوم وش فيه؟
بلعت الممرضة ريقها وقالت ولدك برّا ويقول إنه جا مع الرجل اللي صار له الحادث ويقول إن هذا الرجل أبوه.
انهار العالم داخل لورا.
ماتيو عمره كله ما شاف دييغو.
ولا أحد كان المفروض يعرفه.
وفي نفس اللحظة، طلع من الجهاز صوت طويل متصل.
قلب دييغو توقف.
ولورا كانت لا تزال ماسكته بين يدينها
ارتجفت الغرفة كلها مع الصوت الطويل الحاد.
Code blue!
صرخ طبيب التخدير وهو يضغط على صدر دييغو بقوة، بينما الأجهزة تومض باللون الأحمر.
لكن لورا لم تتحرك.
كانت عيناها معلقتين على وجه الطفل الواقف خلف الزجاج الخارجي لغرفة العمليات ماتيو.
وجهه الصغير كان شاحبًا، وأنفاسه متقطعة، وكأنه هو الآخر لا يفهم كيف انتهى به المطاف هنا.
لكن أكثر ما قتلها أنه كان يبكي.
ويبكي على الرجل الممدد أمامها.
قالت الممرضة بسرعة وهي ترتجف لقيناه مع المصاب وقت الحادث الولد كان يصرخ باسمه.
رفعت لورا رأسها ببطء. كيف يعرفه؟
الممرضة هزت رأسها ما نعرف لكنه كان ماسك إيده طول الطريق بالإسعاف.
عاد صوت الجهاز يصرخ.
انقطع التفكير.
الطبيبة داخلها انتصرت على المرأة للحظة أخيرة.
صرخت لورا شحنة 200 الآن!
ارتد جسد دييغو بقوة مع الصدمة الكهربائية.
ثم مرة ثانية.
وثالثة.
ثوانٍ
ثم ظهر نبض ضعيف على الشاشة.
عاد القلب.
تنفس الفريق أخيرًا، بينما لورا سحبت يديها ببطء من فوق صدره، وكأنها خرجت من حرب كاملة.
استمرت العملية أربع ساعات.
أربع ساعات وهي تحارب لإنقاذ رجل دفنها حيّة قبل سبع سنوات.
وحين انتهت، خرجت من الغرفة منهكة، والدم ما زال على كمّيها.
كان ماتيو جالسًا آخر الممر، يحتضن حقيبته المدرسية الصغيرة.
أول ما رآها وقف بسرعة.
ماما
صوته كان خائفًا بشكل ما سمعته منه من قبل.
اقتربت منه بسرعة وركعت أمامه إنت كويس؟ صار لك شي؟
هز رأسه بالنفي، ثم نظر نحو غرفة العناية المركزة.
وقال الجملة اللي شلت أنفاسها
هو مو سيئ مثل ما كنتِ تظنين.
تجمدت.
ماتيو من وين تعرفه؟
خفض عينيه.
ثم أخرج من حقيبته دفتر رسم صغيرًا قديمًا.
ناولها إياه بيد مرتجفة.
فتحت الصفحة الأولى
فرأت رسومات كثيرة لرجل طويل يبتسم.
وفي أعلى الصفحة مكتوب بخط طفل
بابا.
شعرت لورا بالأرض تميد تحتها.
مين عطاك هذا؟!
قال بصوت خافت هو.
قبل ستة أشهر
بدأ رجل غريب يظهر أحيانًا قرب مدرسة ماتيو.
ما كان يقترب كثيرًا.
فقط يراقبه من بعيد.
في البداية خاف منه ماتيو، لكن الرجل كان دائمًا يبتسم له ويحضر له كتبًا عن الفضاء والجراحة، كأنه يعرف تمامًا الأشياء التي يحبها.
ومع الوقت صار يتكلم معه.
قال له إن اسمه دييغو.
وإنه يعرف أمه منذ زمن طويل.
وإنه ارتكب أكبر خطأ في حياته.
كانت كل كلمة تضرب لورا كطعنة جديدة.
ليش ما قلت لي؟!
دمعت عينا ماتيو لأنه كان يبكي كل مرة يجيب طاريك وطلب مني ما أقول لين يصلح كل شي.
ابتلعت لورا ريقها بصعوبة أي شي؟
أخرج ماتيو ظرفًا صغيرًا مهترئ الأطراف.
قال أعطيك هذا لو صار له شي.
تجمدت أصابعها وهي تفتحه.
وفي الداخل
صورة أشعة طبية.
وتقرير قديم.
وتاريخ يعود إلى قبل سبع سنوات.
بدأت تقرأ ثم اختفى لون وجهها بالكامل.
كان دييغو مصابًا بورم خبيث بالقلب.
ورفض الأطباء وقتها إجراء العملية لأن نسبة نجاته شبه معدومة.
وفي آخر التقرير جملة بخط يده
هروبي ما كان خوفًا منك كان خوفًا عليكِ.
ما قدرت أربطك برجل قد يموت بأي لحظة ويتركك مع طفل وديون وحياة مدمرة.
راقبتك طول السنين وشفتك تصيرين أعظم مما كنتِ تحلمين.
وأنا كنت فخور فيك كل يوم حتى من بعيد.
سقطت الرسالة من يدها.
كل السنوات اللي بنت فيها غضبها
كانت قائمة على كذبة ناقصة.
في تلك اللحظة، فتح باب العناية المركزة.
خرج الطبيب المناوب بسرعة دكتورة لورا لازم تجين حالًا.
التفتت له بقلب مرتجف.
وش صار؟
قال بجدية المريض استعاد وعيه وأول كلمة قالها كانت اسمك.
دخلت الغرفة ببطء.
الأجهزة تصدر أصواتًا هادئة الآن.
دييغو كان شاحبًا جدًا، أضعف بكثير من الرجل اللي عرفته يومًا.
فتح عينيه بصعوبة لما شعر بها.
تلاقت نظراتهما بعد سبع سنوات كاملة.
حاول يتكلم، لكن الألم منعه.
اقتربت منه لورا دون وعي.
همس بصوت متقطع هل يكرهني؟
عرفت فورًا أنه يقصد ماتيو.
نظرت له طويلًا
ثم قالت والجروح كلها ترتعش داخل صوتها
لا.
دمعت عيناه فورًا.
كنت أشوفه من بعيد كل عيد ميلاد كنت أحفظ شكله وهو يكبر لكني ما استحق أكون أبوه.
صمتت لورا.
ثم سألته السؤال اللي قتلها طوال عمرها
ليش ما رجعت؟
أغلق عينيه بألم.
لأني بعد سنة من سفري اكتشفت إن التشخيص كان غلط.
رفعت رأسها بصدمة.
أكمل بصوت مكسور ما كان عندي سرطان.
اتسعت عيناها.
وش؟!
نزلت دمعة من طرف عينه كان عندي خوف وغباء وجبن.
ولما عرفت الحقيقة، كنتِ وقتها صرتِ أقوى بدوني.
وكل يوم تأخرت فيه عن الرجوع صار الرجوع أصعب.
ساد صمت ثقيل.
صمت سبع سنوات كاملة.
ثم فجأة
دخل ماتيو الغرفة.
نظر إلى دييغو طويلًا.
الرجل الذي حلم به عمره كله كان أخيرًا أمامه.
ارتعشت شفتا دييغو ماتيو
اقترب الطفل ببطء.
ثم قال السؤال الذي مزّق الاثنين معًا
إذا كنت تحبنا ليش تركتنا لوحدنا كل هذي السنين؟
ولأول مرة
بكى دييغو دون أن يحاول إخفاء دموعه.
تمت..

تم نسخ الرابط