رجل ارمل
راجل ارمل ادّى آخر فلوس في جيبه لست عجوزة غريبة عشان يساعدها، وماكانش يعرف إنه في اليوم اللي بعده هتجيله لحد باب بيته ومعاها عربية سودا فخمة، وراجل لابس بالطو أول ما شافه ناداه باسمه!
آخر 200 جنيه كانوا في محفظتي، كنت محوشهم عشان أجيب أكل لبنتي. لكن في لحظة، الفلوس دي اتحولت لبنزين حطيته في عربية ست غريبة، وأنا راجع البيت بحاول أجهز الكلام اللي هقوله لبنتي عندها 9 سنين، عشان أفهمها إني مضطر أخلف وعدي ليها مرة كمان.
تاني يوم الصبح، وقبل حتى ما الشمس تطلع، سمعت خبط على باب شقتنا.
فتحت الباب، واتجمدت مكاني!
كانت هي نفس الست العجوز اللي ساعدتها امبارح.
لكن المرة دي، ما كانتش لوحدها.
وراها كانت واقفة عربية سودا فخمة، وبجانبها راجل لابس بالطو طويل، أول ما شافني ابتسم وقال اسمي!
في اللحظة دي، أول حاجة جت في بالي إني يمكن دخلت نفسي في مصېبة بسبب مساعدتي للست دي.
لكن خليني أحكيلكم اللي حصل من البداية
اسمي يوسف منصور، عندي 38 سنة، وبقالي حوالي 6 سنين بربي بنتي مريم لوحدي.
مراتي نهى ماټت بسبب عدوى انتشرت في جسمها بسرعة، وما لحقناش نلحقها.
لفترة طويلة بعد مۏتها، كنت لسه بشتريلها الزبادي اللي كانت بتحبه، وأصحى من النوم بالليل عشان أحكيلها حاجات حصلت في يومي، قبل ما أفتكر إنها مش موجودة.
ومع الوقت، اتعلمت أقوم من السرير وأكمل يومي حتى لو الۏجع لسه موجود.
مريم كانت محتاجة تفطر، وتروح المدرسة، وتلاقيني مستنيها وقت ما تخرج.
والفواتير كانت بتتراكم، ومحدش بيسأل الحزين إذا كان مستعد يواجه الحياة ولا لأ.
كنت بشتغل فني صيانة في مخزن كبير لتوزيع البضائع على أطراف مدينة العاشر من رمضان. شغلي كان تصليح السيور الناقلة، وفحص الموتورات، والتعامل مع أي عطل ممكن يعطل الشغل.
مرتبي كان بيكفينا بالعافية، بشرط إن مفيش حاجة تبوظ.
والمشكلة إن دايمًا كان فيه حاجة بتبوظ!
في شهر نوفمبر، كنت دفعت فلوس تصليح العربية، وفاتورة كهربا متأخرة، وكمان تمن شوية أدوية.
وبعد ما حطيت بنزين، ما فضلش في محفظتي غير 200 جنيه لحد يوم التلات.
مريم ما كانتش
عارفة إحنا معانا كام، لكنها اتعلمت تلاحظ سكوتي كل ما أقف قدام الأسعار في السوبر ماركت.
والحقيقة إن ده كان بيوجعني أكتر من أي ديون عليا.
الصبح ده، بنتي طلبت مني أعملها بان كيك يوم السبت.
قالتلي وهي بتبصلي بعيونها البريئة
يا بابا، بس عايزاه بالفراولة، لو مش غالية أوي.
ابتسمت وقلتلها
حاضر يا حبيبتي، بالفراولة.
وكنت واعدها كمان إني أعملها مكرونة بالصلصة على العشا.
بعد ما خلصت شغلي يوم الجمعة، كنت ناوي أعدي على السوبر ماركت بعد ما أجيبها من عند جارتنا، طنط فوزية.
الدنيا كانت بتمطر من الساعة أربعة، والطريق كان مليان شبورة خفيفة مخليّة الرؤية صعبة.
وفجأة، وأنا سايق، لمحت عربية قديمة واقفة على جنب
الطريق، والنور بتاع الانتظار فيها بيومض بصعوبة.
وبجانبها كانت واقفة ست كبيرة في السن، ماسكة شمسية الهوا كان هيطيرها من إيديها.
عديت من جنبها.
كان الجو ساقع، وأنا جعان وتعبان، وبنتي مستنياني في البيت.
لكن بعد ما مشيت كام متر، بصيت في المراية.
لقيتها بترفع إيدها وبتحاول تستوقف أي عربية، والناس كلها بتعدي من غير ما حد يقف.
شتمت بصوت واطي، ودورت على مكان آمن، ورجعتلها.
فتحت الشباك وسألتها
حضرتك محتاجة مساعدة؟
قربت مني ببطء. كانت لابسة جزمة غرقانة ميه، وعلى شعرها الأبيض إيشارب رمادي.
قالتلي بصوت مرتعش
العربية بطلت فجأة، وموبايلي فصل شحن. بصراحة، مش عارفة أقلق على أنهي واحدة فيهم أكتر!
حاولت تبتسم، لكن سنانها كانت بتخبط في بعض من البرد.
اسمها كان الحاجة فاطمة الشناوي.
عرضت عليها تستنى جوه عربيتي، وشغلتلها التدفئة، ونزلت أبص على عربيتها.
لقيت طرف البطارية عليه أملاح، وكمان فيه وصلة مفكوكة.
طلعت عدتي، ونضفت الوصلة وربطّها كويس. وبعد كذا محاولة، الموتور اشتغل أخيرًا.
الحاجة فاطمة رفعت إيديها وقالت
الحمد لله يا رب!
ضحكت وقلتلها
الحمد لله، وبمفتاح عشرة كمان!
ضحكت ضحكة خفيفة، لكن وأنا ببص على مؤشر البنزين، لاحظت إنه شبه فاضي.
وصلتها لأقرب محطة بنزين. هناك، بدأت تدور على محفظتها في شنطتها، وفضلت تطلع حاجات وتحطها على الكرسي.
منديل، وعلبة أدوية، وظرف فيه صور قديمة.
لكن المحفظة ما كانتش موجودة.
بصتلي بإحراج وقالت
شكلها في الشنطة التانية، يا ابني. أنا آسفة، مش عارفة أعمل إيه!
سألتها
حضرتك فاضل قد إيه على ما توصلي؟
ردت
حوالي
تلاتين كيلو.
بصيت لل جنيه اللي في محفظتي.
افتكرت الفراولة اللي وعدت مريم بيها.
وفكرت إني أقول لعامل المحطة يحط بخمسين جنيه بس، لكن لما بصيت للحاجة فاطمة، لقيتها بتحاول تشغل موبايلها الفاصل، وصوابعها لسه بتترعش من البرد.
في اللحظة دي، طلعت الفلوس من محفظتي ومديتهاله.
وقلت للعامل
حط بمئتين جنيه يا أستاذ.
الحاجة فاطمة حاولت تمنعني وقالت پصدمة
لأ يا ابني، إنت ما ينفعش تعمل كده! دي فلوسك!
رديت عليها وأنا بخبي محفظتي الفاضية
خلاص يا حاجة، البنزين اتحط. المهم توصلي بيتك بالسلامة.
بصتلي بحزن وسألتني
وإنت هتعمل إيه؟
ابتسمت وقلتلها
وأنا كمان رايح بيتي.
وأثناء ما العامل كان بيحط البنزين، اديتها موبايلي عشان تكلم ابنها وتطمنه عليها.
ما ردش، فسبتله رسالة فيها مكانها.
بعدها طلبت مني رقم تليفوني، وقالت إنها عايزة ترجعلي الفلوس.
كتبتلها رقمي على ضهر إيصال، وقلتلها
المهم توصلي بالسلامة يا حاجة، وبعدها يبقى خير.
قبل ما تمشي، بصتلي وسألتني
هو إيه اللي خلاك تقف عشاني، مع إن كل العربيات كانت بتعدي من غير ما تبصلي؟
كان ممكن أقولها أي كلام جميل، لكني قررت أقول الحقيقة.
قلتلها
مرة بنتي سخنت جامد، والعربية ما رضيتش تدور، وواحد جاري وصلنا المستشفى، رغم إنه ما كانش يعرفني كويس. من يومها وأنا بقول لنفسي، لو قابلت حد محتاج مساعدة وأنا أقدر أساعده، مش هسيبه لوحده.
الحاجة فاطمة
حطت الإيصال في شنطتها بعناية، وبصتلي بنظرة غريبة ما فهمتهاش وقتها.
وبعدها كل واحد فينا ركب عربيته ومشي.
لما وصلت أخيرًا لبيت طنط فوزية، كانت الساعة عدت التمانية.
طلعت مريم تجري عليا وهي حاضنة شنطتها المدرسية، وركبت العربية جنبي.
سألتني ببراءة
يا بابا، إنت جبت المكرونة؟
حسيت بۏجع في قلبي، لكني ابتسمت وقلتلها
هنعمل مكرونة بطريقة مميزة النهارده.
بصتلي بشك وقالت
مميزة حلوة ولا من اختراعاتك إنت؟
ضحكت وقلتلها
لسه هنشوف!
لما وصلنا البيت، اكتشفنا إن اللي عندنا نص كيس مكرونة، وبيضتين، وشوية جبنة، وعلبة صلصة.
عملتلها العشا، والغريب إنه طلع أحسن مما كنت متوقع.
مريم سمّت الأكلة مكرونة الإنقاذ، وطلبت مني أكتب الوصفة عشان ما ننساهاش.
ضحكت معاها، وبعد العشا ساعدتها في الواجب، وجهزتلها الزي المدرسي، وسرحتلها شعرها.
ولما نامت، فتحت تطبيق البنك على موبايلي.
كان فاضل في حسابي 14 جنيه و قرش بس.
قعدت لوحدي
في المطبخ، بسمع