ليلة زفاف لسحر فرج

لمحة نيوز

كان الصمت يخيّم على الشقة القديمة، إلا من أنين مكتوم يتسرّب من خلف باب غرفة صغيرة.
جلست حنين على الأرض، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحاول كتم دموعها.
لم تكن المرة الأولى التي تتعرض فيها للإهانة على يد زوج والدتها، صالح.
لكن هذه المرة كانت مختلفة.
هذه المرة كان يريد أن يبيعها.
في الخارج كانت أمها تبكي بصمت، بينما يدور صالح في أرجاء المنزل بعصبية.
منذ أسبوعين فقط تلقى عرضًا من المعلم عثمان.
رجل تجاوز الستين، يملك المال والنفوذ والعقارات، لكنه يعيش وحيدًا منذ وفاة زوجته الثانية قبل عام.
لم يكن عثمان رجلًا سيئ السمعة كما يظن الجميع.
كان معروفًا بالصرامة والهيبة، لكنه لم يُجبر امرأة يومًا على الزواج منه.
حين رأى حنين لأول مرة عند إحدى الصيدليات، لفت انتباهه هدوؤها وأدبها، فطلب يدها من صالح معتقدًا أن الأمر سيتم بصورة طبيعية.
لكنه لم يكن يعلم الحقيقة.
لم يكن يعلم أن الفتاة ترفضه.
ولا أن صالح يستخدم اسمه سلاحًا لتعذيبها.
دخل صالح الغرفة فجأة.
نظر إلى حنين بعينين قاسيتين وقال:
بكرة بالليل هتكوني مرات المعلم عثمان... وده آخر كلام عندي.
رفعت رأسها ببطء.
كانت عيناها حمراوين من البكاء.
قالت بصوت مبحوح:
أموت أحسن.
صفع الباب خلفه وغادر.
وبمجرد أن اختفى، التقطت هاتفها.
كان هناك شخص واحد فقط تستطيع أن تتنفس معه.
عمر.
عمر لم يكن مجرد جار.
كان رفيق طفولتها.
الشاب الذي كان يرافقها إلى المدرسة وهي صغيرة.
الذي كان يشتري لها الكتب المستعملة عندما تعجز عن شرائها.
والذي أخفى حبه لها سنوات طويلة حتى لا يشتت أحلامها.
عندما سمع صوتها تلك الليلة، أدرك فورًا أن شيئًا كارثيًا حدث.
وحين أخبرته بأمر الزواج، شعر وكأن أحدهم انتزع قلبه من صدره.
أغلق الهاتف فجأة.
ولأول مرة في حياته لم يفكر.
بل اندفع.
في المقهى الشعبي كان عثمان يجلس أمام صالح.
بدا عليه الضيق.
قال بصوت هادئ لكنه حازم:
أنا طلبت بنت الناس بالحلال... ولو مش موافقة يبقى قول.
ارتبك صالح.
فهو لم يخبر عثمان بالحقيقة أصلًا.
قال بسرعة:
موافقة يا معلم... بس البنات دلع.
وقبل أن يكمل جملته ظهر عمر.
كان الغضب يشتعل في عينيه.
صرخ:
حنين مش سلعة عشان تبيعها!
التفتت الرؤوس نحوه.
وتحوّل المكان خلال ثوانٍ إلى ساحة فوضى.
رجال عثمان ظنوا أنه جاء للاعتداء على المعلم.
فانهالوا عليه ضربًا.
حاول عثمان إيقافهم، لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
وبعد دقائق كان عمر ملقى على الأرض والدماء تغطي وجهه.
وفي تلك اللحظة فقط ظهرت حنين.
كانت تركض حافية القدمين.
دفعت الرجال بكل قوتها حتى وصلت إليه.
جلست بجواره وهي تبكي.
رفع عمر عينيه إليها بصعوبة.
ابتسم رغم الدماء.
وقال:
أوعي تستسلمي.
كانت تلك الجملة كافية لتحطم قلبها.
في تلك الليلة لم تنم حنين.
جلست أمام نافذتها حتى الفجر.
تفكر في أمها.
وفي عمر.
وفي نفسها.
كانت تعرف أن رفضها سيجعل صالح ينتقم من الجميع.
وفي الصباح أعلنت موافقتها.
انهارت أمها.
أما حنين فكانت هادئة على نحو مخيف.
كأن شيئًا بداخلها مات بالفعل.
تم عقد القران.
وغادرت بيتها.
وعندما تحركت السيارة، سمعت صوت عمر ينادي اسمها.
التفتت.
رأته واقفًا بصعوبة.
وجهه مليء بالكدمات.
لكنه كان ينظر إليها كما لو أنه يحاول حفظ ملامحها للأبد.
أغمضت عينيها.
وانطلقت السيارة.
داخل شقة عثمان.
كان المكان واسعًا وفخمًا.
لكنه بدا لحنين كقبر كبير.
أغلق عثمان الباب.
ثم التفت إليها.
لأول مرة لاحظ شدة الرعب في عينيها.
قال بهدوء:
متخافيش.
لكن الكلمة جاءت متأخرة.
متأخرة جدًا.
سنوات الخوف والعذاب والانكسار كانت أقوى من أي طمأنة.
بدأ جسدها يرتجف.
ازدادت ضربات قلبها.
شعرت بالهواء يختفي من حولها.
حاول عثمان الاقتراب.
لكنه فوجئ بها تسقط أمامه.
ركض نحوها مذعورًا.
واستدعى الطبيب فورًا.
وصل الطبيب بعد دقائق.
كشف عليها طويلًا.
ثم خرج من الغرفة بوجه شاحب.
سأله عثمان بقلق:
مالها؟
صمت الطبيب لحظة.
ثم قال:
قلبها توقف.
تجمد عثمان مكانه.
كأنه لم يستوعب الكلمات.
إيه؟
خفض الطبيب رأسه.
البنت ماتت.
جلس عثمان على الكرسي المقابل لغرفتها ساعات طويلة.
لا يتحرك.
لا يتكلم.
ولا يصدق.
ولأول مرة في حياته شعر أن أمواله ونفوذه وهيبته لا تساوي شيئًا.
أما في بيتها القديم...
كانت أمها تحتضن فستان حنين وتبكي.
وفي الشارع كان عمر ينظر إلى نافذتها المغلقة.
وينتظر عبثًا أن تفتحها.
لكن حنين لم تعد هناك.
لقد رحلت.
رحلت قبل أن تبدأ حياتها.
وانتهت الحكاية في الليلة التي كان يفترض أن تكون أسعد لياليها.
تمت.

تم نسخ الرابط