قصة وعبره
طردوها وهي عمرها ١٨، فاشترت ٨٠ فدان بسبعة دولارات واللي صار بالمكان غيّر كل شيء
بعمر ثمانية عشر، وقفت رِن هولوواي في غرفة مقاطعة مغبرة في مونتانا، وباقي معها اثنا عشر دولار بس، ومفاتيح مصدية في كفها، وأول خيط حقيقي من عائلة ما أحد عطاها إياه من قبل.
كل اللي في الغرفة كانوا يشوفون ثمانين فدان عشب ميت، وبيت مزرعة مكسور، وإعلان بيع محد يبي يلمسه حتى بالغلط.
بس رِن شافت نفس المكان اللي في صورة بولارويد باهتة كانت في صندوق أمها، الصورة اللي مكتوب خلفها بخط قديم بيت ماما.
قبل غروب الشمس، كانت بتدفع باب خشبي معوّج، وتمشي فوق أرضية تعبت من الزمن، وتلقى دليل إن فيه أحد كان ينتظرها من زمان قبل لا تعرف هي أصلاً وين المفروض يكون البيت.
اسمي رِن هولوواي، وطول عمري ما كان عندي سبب أصدق إن فيه مكان ممكن يتمسك فيني.
الدولة سلمتني كرتون، وظرف خفيف، ووداع محفوظ من كثر ما قالوه لغيري.
الكرتون كان فيه بقايا أشياء أمي.
والظرف كان فيه مبلغ صغير ونوع من الحظ اللي يعطونك إياه الناس لما ما يملكون شيء أحسن.
داخل الكرتون لقيت ثلاث أشياء.
خاتم فضة، مسود من العمر.
شهادة ميلاد، مكتوب جنب اسمي فيها هولوواي.
وصورة بولارويد.
أمي واقفة قدام بيت أبيض، رافعة يدها على عيونها من الشمس. وراها أرض مفتوحة، وحظيرة مائلة شوي كأنها متعودة تقاوم الريح. على ظهر الصورة، بخط هادي وباهت، مكتوب
بيت ماما. برايروود، مونتانا.
هذا كل اللي كان عندي.
اسم.
مكان.
وصورة بيت يشبه الإشاعة أكثر من كونه عنوان.
قريب سنتين، اشتغلت في أي مكان يقبلني. غسلت صحون، رتبت رفوف، حملت صناديق، ونمت ليالي على كنب ناس بالكاد يعرفون اسمي. وكل ما دخلت مدينة فيها مكتبة، كنت أروح للكمبيوترات العامة.
أبحث عن برايروود.
أبحث عن هولوواي.
أقلب أرشيف المقاطعات بفلوس باص مستعارة وبعناد ما أعرف من وين جاني.
لين عصر بارد في بيلنغز، لقيتها.
إيميلين هولوواي.
ثمانون فدان.
بيت مزرعة واحد.
حظيرة واحدة.
ضرائب متأخرة.
مزاد مقاطعة بعد ثلاثة أيام.
أقل مزايدة خمسة دولارات.
جلست أطالع الشاشة لين سألتني أمينة المكتبة إذا كنت بخير.
قلت لها لا.
وبعدين همست بس يمكن إني قربت.
برايروود كانت بلدة تحاول تختفي بدون صوت عالي.
شارع رئيسي باهت، محل أعلاف، مطعم صغير مدخنته تطلع دخان في البرد، محل عدة، كنيسة، وكم مبنى واقف بس لأن محد فكر يخلّيه يطيح.
صباح اليوم اللي بعده، دخلت غرفة المزاد وعلى جزمتي غبار، وفي جيبي اثنا عشر دولار بس.
ستة أشخاص قاعدين على كراسي قابلة للطي. كلهم أكبر مني. كلهم يطالعون ورقة العقار كأنها مشكلة، مو فرصة.
الموظف بدأ يقرأ الأراضي بصوت مسطح لدرجة إن الكلمات كانت تموت قبل توصل.
ثم وصل لآخر بند.
قال عقار هولوواي. ثمانون فدان. بيت مزرعة. حظيرة. مبانٍ خارجية. الحالة كما هي. أقل مزايدة خمسة.
ما أحد تحرك.
مسح حلقه.
خمسة دولارات. أحد؟
رفعت يدي.
وبصوت ما أدري كيف طلع ثابت، قلت
سبعة.
كم راس التفت.
مو بحدة.
بس كفاية عشان يشوفوني.
شنطة ظهر وصخة.
معطف رخيص.
وجه صغير أكثر من اللازم.
الموظف رفع حاجبه وقال سبعة. أحد يقول ثمانية؟
سكتت الغرفة.
نزلت المطرقة.
وبكذا، صرت أملك أرض أكبر من خيالي وخوف أكبر من قدرتي.
سلمني إيصال، وحلقة مفاتيح قديمة كأنها كانت تنتظرني قد ما أنا كنت أنتظرها.
قال عندك تسعين يوم تدفعين الضرائب المتأخرة، وإلا المقاطعة ترجع تاخذها.
قلت تسعين يوم.
هز راسه، ورجع يمل من جديد.
المشي للمزرعة أخذ وقت طويل كفاية إن الأمل والخوف يتبادلون مكاني مرتين.
في البداية كنت مشغولة بالسماء. أنا كبرت في أماكن الأفق فيها دايم مقطوع جدران، سياج، عمارات، جداول، أبواب تقفل قبل لا تتعود عليها.
هناك، الدنيا كانت مفتوحة من كل جهة، لين حسّيت إن الاتساع نفسه يطالعني ويسألني وش بتسوين فيني؟
ثم ظهر البيت.
أبيض يمكن كان أبيض.
الشرفة نازلة على جنب.
ثلاث نوافذ فوق فاضية.
طرف من السقف مطوي، كأن الطقس فاز عليه شوي شوي.
والحظيرة وراه مائلة، كأنها صار لها سنين تتهاوش مع الريح، والحين تعبت.
وقفت على طرف الحقل دقيقة طويلة، والمفاتيح المصديّة في يدي، وفكرة واضحة مرّت براسي
تقدرين ترجعين.
ما رجعت.
الباب الأمامي ما كان مقفل فعلاً. كان واقف معوّج في الإطار، وبين الخشب والجدار فتحة تدخل منها الريح والحيوانات الصغيرة بدون استئذان.
لما دفعته، ضربني هواء البيت بريحة ورق قديم، وخشب رطب، وصبر طويل لمكان وقف يتوقع خطوات من زمان.
غرفة الجلوس يمكن كانت جميلة يومًا ما.
سقف عالي.
مدفأة حجر.
نوافذ على ثلاث جهات.
بس الجبس كان متدلّي مثل جلد يابس، والأرضية تسأل تحت كل خطوة متأكدة؟
مشيت ببطء، أختبر كل لوح قبل أثق فيه. المطبخ كان أسوأ. المغسلة نصها مفصول عن الجدار. الطاولات مستسلمة. وفي غرفة خلفية لقيت كرسي هزاز، وسلة صوف باهت، ورف كتب واقف كأن أحد رتبه وقال بيرجع بعد شوي.
ثم شفت الصور.
رجل جنب جرار.
امرأة شايلة طفل.
طفلين يركضون باتجاه الكاميرا.
وفي النص، داخل إطار فضي مطفي من الغبار، نفس البنت اللي في صورة البولارويد.
أمي.
مو على ورقة.
مو في ملف حكومي.
على جدار هذا البيت.
مديت يدي ولمست الزجاج بإصبعين، بس عشان أثبت لنفسي إني ما أخترعها.
همست للغرفة كانت هنا.
ولأول مرة في حياتي، كلمة عائلة ما حسّيتها فكرة بعيدة.
ذاك الليل نمت داخل بيك أب قديم واقف خلف الحظيرة، لأن كبينته كانت أنشف من غرف الدور العلوي، ولأن السيارة بطريقة غريبة كانت تحسسك إنها تعرف تحمي شخص لين الصباح.
البرد صحاني قبل الفجر.
ومعه تذكرت شيء من الكرتون.
رسالة مطوية كنت قرأتها بسرعة